يمثل مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، ويُعد شريانًا رئيسيًا لتدفق التجارة العالمية والطاقة والسلع الاستراتيجية، ويمر من خلاله نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز والمواد الغذائية والسلع الصناعية، ما يجعله نقطة ارتكاز في منظومة الأمن الاقتصادي الدولي.
إن أي اضطراب في هذا الممر لا يقتصر أثره على الدول المطلة فحسب، بل يمتد إلى الأسواق العالمية عبر ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتعطل سلاسل الإمداد، وازدياد المخاطر على الاستقرار الاقتصادي، ومن هنا تتجلى أهمية أن تكون إدارة هذا المضيق تحت مظلة دول مسؤولة تمتلك القدرة السياسية والعسكرية والاقتصادية على تأمينه، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية التي أثبتت خلال السنوات الماضية دورها المحوري في حفظ أمن الملاحة البحرية في البحر الأحمر وخطوط الطاقة.
إن سيطرة المليشيات المسلحة على الممرات المائية لا تعني فقط تهديد السفن التجارية، بل تعني تحويل هذه النقاط الحساسة إلى أدوات ابتزاز سياسي واقتصادي، فالمليشيات بطبيعتها لا تخضع لمنطق الدولة ولا لقواعد القانون الدولي، وغالبًا ما توظف السلاح لفرض أجندات ضيقة، ما يهدد حرية الملاحة ويقوض الثقة في استقرار طرق التجارة، وفي المقابل، تمتلك المملكة العربية السعودية منظومة متكاملة من القدرات البحرية والاستخباراتية والدبلوماسية التي تؤهلها لتأمين هذا الممر الحيوي ضمن إطار يحترم الشرعية الدولية ويعزز التعاون الإقليمي. كما أن موقع السعودية الجغرافي على البحر الأحمر، وشراكاتها الدولية الواسعة، يمنحانها دورًا طبيعيًا في حماية هذا الشريان العالمي.
وتتجاوز أهمية حماية باب المندب البعد الاقتصادي لتصل إلى البعد الإنساني والأمني، فتعطل الملاحة يعني تأخير وصول المساعدات الغذائية والطبية إلى دول تعاني أصلًا من أزمات إنسانية، ويؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية، ما يثقل كاهل الشعوب الفقيرة، كما أن انتشار القرصنة والتهديدات المسلحة في هذه المنطقة قد يحولها إلى بؤرة صراع دائم، بما يحمله ذلك من مخاطر على الاستقرار الإقليمي، لذلك فإن وجود قوة إقليمية مسؤولة تعمل على ضبط الأمن البحري، وتنسق مع المجتمع الدولي، يعد عنصرًا أساسيًا في منع تحول المضيق إلى ساحة فوضى.
ومن وجهة نظري الشخصية، أرى أن الدور السعودي في حماية باب المندب ليس خيارًا سياسيًا فحسب، بل واجب استراتيجي تمليه طبيعة المرحلة التي يشهدها العالم، حيث تتزايد التحديات الأمنية وتتعقد شبكات المصالح الاقتصادية. إن امتلاك السعودية لرؤية تنموية شاملة، وسعيها لتحويل المنطقة إلى مركز لوجستي عالمي، يجعل من حماية طرق التجارة جزءًا لا يتجزأ من مشروعها الوطني، فاستقرار الملاحة البحرية ينعكس مباشرة على نجاح خطط التنمية والاستثمار، ليس في السعودية وحدها، بل في المنطقة بأكملها.
كما أعتقد أن سيطرة الدولة على هذا الممر الحيوي، بدلًا من تركه عرضة للمليشيات، تمثل رسالة واضحة بأن المنطقة قادرة على إدارة أمنها بنفسها وفق منطق السيادة والمسؤولية. فحين تتولى دولة مؤسساتية مثل السعودية هذا الدور، فإنها لا تحمي مصالحها فقط، بل تحمي مصالح الشركاء الدوليين الذين يعتمدون على هذا الخط الملاحي، وهذا يعزز مكانة المملكة كفاعل إقليمي موثوق يسهم في استقرار النظام الدولي، بدل أن يكون مجرد متلقٍ للتأثيرات الخارجية.
وأرى كذلك أن هذا الدور ينبغي أن يقترن بمسار دبلوماسي وإنساني متوازن، يهدف إلى معالجة جذور الأزمات في المنطقة، وليس الاكتفاء بالحلول الأمنية، فحماية المضيق يجب أن تسير جنبًا إلى جنب مع دعم الاستقرار السياسي، وتعزيز التنمية في الدول المطلة، واحتواء النزاعات التي تغذي نشاط المليشيات، بهذا النهج المتكامل يمكن تحويل باب المندب من نقطة توتر محتملة إلى نموذج للتعاون الإقليمي والدولي.
وفي الختام، يتضح أن مضيق باب المندب ليس مجرد ممر مائي، بل يتوقف عليه أمن التجارة العالمية واستقرار المنطقة، واضطلاع المملكة العربية السعودية بدور فاعل في حماية هذا الممر ينسجم مع مكانتها الإقليمية وقدراتها المتنامية، ويشكل سدًا منيعًا أمام محاولات المليشيات لزعزعة الأمن وابتزاز العالم، ومن خلال الجمع بين القوة الرادعة والدبلوماسية الفاعلة والرؤية التنموية، تستطيع السعودية أن تسهم في ضمان بقاء باب المندب بوابة آمنة للتجارة العالمية، لا ساحة للفوضى والصراع.






