المقالات

مشاركة الكلاب في البحوث العلمية!! بقلم: أ.د. بكري عساس

كان أشهر حيوان في تاريخ الأبحاث العلمية هو القط المسمى «دي سي ويلارد»، الذي أضافه صاحبه الفيزيائي الألماني الأمريكي جاك هيذرينغتون كباحث مشارك في بحث علمي نشره عن الفيزياء النووية عام 1975م.

غير أن أشهر واقعة لبحث علمي شارك فيه حيوان أليف كانت حالة الكلب «غاراديل ميركوود»، من فصيلة الأفغان هاوند، والمملوك لعالمة المناعة الشهيرة الأمريكية من أصول فرنسية البروفسورة بولي ماتزينجر.

وتُعد العالمة بولي ماتزينجر واحدة من أبرز وأكثر الشخصيات إثارة للجدل في علم المناعة الحديث، ولها العديد من الإنجازات العلمية المنشورة في مجلات علمية مرموقة عالية الاستشهاد.

وُلدت هذه العالمة المبدعة في فرنسا عام 1947م، وقبل أن تصبح باحثة في علم المناعة عملت في مهن متنوعة شملت: نادلة في حانة، ومروّضة كلاب، وعازفة جاز، ونجّارة، وغيرها من المهن. وبدأت مسيرتها العلمية بمحض الصدفة عندما كانت تعمل نادلة في حانة يرتادها عدد من أساتذة جامعة كاليفورنيا في ديفيس، حيث أثارت إعجاب أحدهم بمنطقها وأسئلتها الذكية، مما دفعه إلى إقناعها بدخول عالم الأبحاث العلمية.

شغلت بولي ماتزينجر لاحقًا منصب رئيسة قسم «تحميل الخلايا التائية والذاكرة» في المعاهد الوطنية للصحة بالولايات المتحدة الأمريكية، وأسست ما عُرف بـ«مختبر الشبح». ومن أبرز إنجازاتها العلمية ابتكارها عام 1994م لما يُعرف بـ**«نظرية الخطر»**، التي غيّرت بها المفهوم التقليدي القائل إن جهاز المناعة يهاجم كل ما هو «غريب» مثل البكتيريا، واقترحت بدلاً من ذلك أنه يهاجم فقط ما يسبب خطرًا أو ضررًا للأنسجة، مثل الخلايا التي تموت بشكل غير طبيعي.

وفي عام 1978م كتبت العالمة بولي ماتزينجر ورقة علمية بحثية بمفردها تناولت موضوع الأجسام المضادة، دون مشاركة أي من زملائها الباحثين، في وقت كانت فيه المجلات العلمية تشجّع الأبحاث المشتركة التي يشارك فيها أكثر من باحث.

وذكرت ماتزينجر أنها لكي تتمكن من نشر بحثها في مجلة علمية مرموقة، قامت بإضافة اسم كلبها «غاراديل» كباحث مشارك معها في البحث. وبالفعل تم نشر الورقة العلمية عام 1978م في مجلة الطب التجريبي، وهي من أقوى المجلات العلمية الأمريكية في مجال المناعة من حيث عدد الاستشهادات.

غير أن الأمر انكشف لاحقًا عندما حاول رئيس تحرير المجلة التواصل مع «غاراديل» لسؤاله عن تفاصيل البحث، ليكتشف أن الباحث المشارك ليس إنسانًا بل كلبًا أليفًا. فغضب رئيس التحرير، واعتبر ذلك استهزاءً بالأكاديمية العلمية وبالمجلة الناشرة للبحث.

وكانت النتيجة منع البروفسورة بولي ماتزينجر من النشر في تلك المجلة المرموقة لفترة طويلة، ولم يُسمح لها بالنشر فيها مجددًا إلا بعد وفاة رئيس تحريرها الذي اكتشف الأمر مصادفة.

وأصبحت قصة البحث الذي شارك فيه الكلب «غاراديل» رمزًا لشخصية بولي ماتزينجر المتمرّدة والمبدعة، واعتبرها كثيرون حركة طريفة سلّطت الضوء على جمود بعض القواعد الأكاديمية، وأثارت نقاشًا واسعًا حول العلاقة بين الإبداع العلمي والأنظمة الصارمة للنشر العلمي.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى