المقالات

عداد المياه… والاعتراض المرفوض سلفًا

لم تكن تجربة المملكة العربية السعودية في إدارة المياه يومًا تجربة عادية. فهي قصة دولة واجهت الندرة في بيئة صحراوية قاسية، وتعاملت معها بوصفها تحديًا سياديًا طويل الأمد، لا أزمة مؤقتة. منذ البدايات الأولى في عهد الملك عبدالعزيز –رحمه الله–، مرورًا بالتوسع في السدود والتحلية، وصولًا إلى بناء أكبر منظومة تحلية في العالم، ظل الماء ملفًا يُدار بعقل الدولة لا بردة فعل الخدمة.

هذا المسار التراكمي تُوّج اليوم برؤية واضحة ضمن رؤية المملكة 2030، وبـ الإستراتيجية الوطنية للمياه 2030، التي أكدت على ضمان الإمداد المستمر، رفع كفاءة التشغيل، ترشيد الطلب، وتقديم خدمات مياه وصرف صحي عالية الجودة بأسعار مقبولة، مع جعل المستفيد محور الخدمة.

هذه المنظومة، من حيث التصميم، متقدمة.
ومن حيث الاستثمار، إنجاز وطني.
ومن حيث الهدف، واضحة في حماية الإنسان والموارد معًا.

ومن هذا الإطار بالذات، يبدأ النقاش.

لأن ما يواجهه بعض المواطنين اليوم في تفاصيل الممارسة اليومية لا يعكس دائمًا هذا التوجه الاستراتيجي. داخل المنازل، يتحول العداد من أداة قياس إلى مرجع صامت. الفاتورة لا تتدرج، بل تقفز. والتنبيهات لا تنتظر نهاية دورة الاستهلاك، بل تصل مبكرًا، لتضع المستفيد أمام خيارين فقط: السداد أو القطع، دون مساحة كافية للفهم أو المراجعة.

القضية هنا ليست رفضًا للتقنية، ولا تشكيكًا في دقة العدادات الذكية، التي تُعد أحد مرتكزات تحسين الكفاءة وتقليل الفاقد كما تنص عليه الاستراتيجية. القضية تتعلق بأثر هذه التقنية على المستفيد حين تُفصل الأرقام عن سياق الاستخدام، وحين تتحول القراءة الدقيقة إلى عبء مالي غير مفهوم.

نحن نقارن بين نتيجتين، لا بين عصرين. بالأمس، حين كان الموظف يمر ويقرأ العداد يدويًا، كانت الفاتورة بخانتين، مستقرة، ويمكن استيعابها ضمن ميزانية الأسرة. اليوم، مع القراءة عن بُعد والعدادات الذكية، أصبحت الفاتورة بثلاث خانات، أعلى وأسرع، دون تفسير واضح لهذا التحول. التطور التقني هنا لم يُترجم بالضرورة إلى طمأنينة سعرية، وهو ما يتطلب مراجعة الأثر، لا التشكيك في التقنية نفسها.

تظهر الصورة بوضوح أكبر في بيوت لا يتغير فيها شيء. جدّان يعيشان وحدهما بعد استقلال الأبناء، استهلاكهما ثابت منذ سنوات، وفاتورتهما لا تتجاوز المئة ريال. فجأة ترتفع إلى ثلاثمئة ثم خمسمئة. وقبل منتصف الشهر تصل رسالة تفيد باستهلاك 80٪ من “الحد الائتماني”. مصطلح مستحدث على خدمة أساسية، وتوقيت يخلق قلقًا مبكرًا، لا يتسق مع هدف الاستقرار الذي تؤكد عليه برامج جودة الحياة.

وهنا تبرز حقيقة تنظيمية لا يمكن تجاهلها: شركة المياه هي المزود الوحيد للخدمة. لا منافس، ولا بديل، ولا خيار انتقال. المواطن لا يستطيع تغيير الجهة إذا لم يقتنع بالخدمة، ولا مغادرة النظام إذا اختل الإجراء. هذا الواقع، بحكم طبيعته، يحمّل الجهة المشغلة مسؤولية أعلى في الوضوح، والتفسير، وسهولة تصحيح الخطأ.

عند هذه النقطة، لا يفعل المواطن أكثر من تقديم اعتراض على الفاتورة. اعتراض بسيط يطلب تفسير الرقم ومراجعته. غير أن مسار الاعتراض لا يفتح قناة مستقلة للفحص، بل يعود إلى داخل الدائرة نفسها التي أصدرت الفاتورة، ويُغلق برد مختصر: الاستهلاك صحيح، دون قراءة مقارنة أو تحقق ميداني يراعي خصوصية الحالة.

ثم تأتي المرحلة الأكثر إرباكًا في التجربة.
فبمجرد تسجيل الاعتراض، تتواصل شركات كشف تسربات خاصة مع المواطن خلال ساعات. لا تفسير لمسار البيانات، ولا توضيح لكيفية وصول معلومات الاعتراض إلى أطراف تجارية. يُدفع المواطن بعدها إلى فحص وإصلاح تسربات بتكلفة تتجاوز ثلاثة آلاف ريال، مدعومة بتقارير هندسية موثقة. يعود بهذه التقارير إلى الفاتورة… فلا يتغير شيء. لا إعادة احتساب، ولا أثر رجعي، ولا تعديل يعكس ما تم إصلاحه فعليًا.

وتُضاف إلى ذلك معادلة الصرف الصحي، بنسبة ثابتة تُحتسب تلقائيًا على كامل الاستهلاك، دون تمييز بين استخدام داخلي وخارجي، أو عقار مأهول وآخر شبه مغلق. وهي معادلة مريحة إداريًا، لكنها تحتاج مراجعة لتتسق مع هدف التسعير المعقول الذي تنص عليه الاستراتيجية الوطنية للمياه.

النتيجة النهائية ليست رقمًا فقط، بل أثرًا اقتصاديًا مباشرًا على ميزانية الأسرة، وأثرًا نفسيًا واجتماعيًا يتكرر شهريًا. هذا الأثر، مهما بدا فرديًا، لا ينسجم مع توجه الدولة في جعل الخدمات الأساسية مصدر استقرار لا قلق، ولا يعكس حجم الاستثمار الوطني في هذا القطاع.

المطلوب هنا ليس تقويض المنظومة، بل استكمالها. استكمال التقنية بمراجعة أثرها، واستكمال الكفاءة بوضوح الإجراء، واستكمال جودة الخدمة بفصل واضح بين مزود الخدمة وجهة الفصل في الاعتراضات، وربط أي إصلاح مالي بأثره الفعلي على الفاتورة.

عندها فقط، يبقى العداد أداة قياس كما أُريد له،
ويبقى الاعتراض مسارًا فعليًا لتصحيح الخطأ،
وتبقى تجربة المياه في المملكة قصة نجاح وطني من المصدر إلى الفاتورة.

أما إذا استمرت الفجوة بين التوجه الاستراتيجي والممارسة اليومية، فإن المواطن لن يرى كل هذا التاريخ ولا هذه الاستراتيجيات، بل تجربة واحدة تتكرر أمامه كل شهر، تختصرها عبارة يعرفها جيدًا: عداد المياه… والاعتراض المرفوض سلفًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى