عام

حين يصبح الذكاء الاصطناعي خط الدفاع الأول: إدارة المخاطر والأزمات بذكاء

في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه المخاطر، لم تعد إدارة الأزمات ترفًا إداريًا ولا بندًا ثانويًا في خطة التشغيل .. بل أصبحت “مناعة” للمؤسسة وشرطًا لبقائها وسمعتها وإستمرار خدماتها. ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى قلب القرار، تغيرت قواعد اللعبة: لم نعد ننتظر الأزمة حتى تقع، بل صرنا نستطيع أن نراها وهي تتكون .. ونخفف أثرها قبل أن تتحول إلى عاصفة.

الذكاء الاصطناعي: من رد الفعل إلى الاستباق

الفارق الجوهري الذي يقدمه الذكاء الاصطناعي في إدارة المخاطر والأزمات هو الانتقال من الاستجابة المتأخرة إلى الاستشعار المبكر.
فالأنظمة التقليدية تعتمد غالبًا على تقارير بشرية متقطعة، أو مؤشرات متأخرة، أو اجتماعات طارئة بعد وقوع المشكلة. أما الذكاء الاصطناعي فيعمل مثل “رادار” لا ينام: يلتقط الإشارات الصغيرة من داخل المؤسسة وخارجها، يحللها، ويربط بينها، ثم يطلق إنذارًا مبكرًا مدعومًا بالبيانات.

ليس المقصود هنا التنبؤ بالغيب، بل قراءة الأنماط: ارتفاع مفاجئ في شكاوى العملاء، تذبذب في سلاسل الإمداد، إشارات غير طبيعية في شبكات تقنية المعلومات، تغير في سلوكيات السوق، أو حتى تصاعد خطاب معين على المنصات الرقمية قد يسبق أزمة سمعة.

كيف يخدم الذكاء الاصطناعي دورة إدارة المخاطر؟

إدارة المخاطر ليست قرارًا واحدًا، بل دورة مستمرة: تحديد – قياس – أولوية – تخفيف – متابعة. والذكاء الاصطناعي يعزز كل محطة فيها:

1) تحديد المخاطر بدقة أعلى

  • استخراج المخاطر من كم هائل من البيانات (تقارير، بريد مؤسسي، سجلات تشغيل، أجهزة استشعار، تذاكر دعم فني، منصات التواصل).

  • اكتشاف مخاطر كانت “صامتة” لأن أحدًا لم يربط النقاط بينها.

2) قياس احتمالية الحدوث والأثر

بدل الاعتماد على تقديرات عامة، يمكن للذكاء الاصطناعي استخدام نماذج تتعلم من التاريخ وتتعامل مع السيناريوهات، لتقديم تقييمات أكثر واقعية:

  • ما احتمال تعطل الخدمة خلال أسبوع؟

  • ما تكلفة التأخير ساعة واحدة؟

  • ما أثر ذلك على رضا المستفيد والسمعة؟

3) ترتيب الأولويات بموضوعية

حين تتزاحم المخاطر، تهدر المؤسسات طاقتها في معارك صغيرة وتفاجأ بالضربة الكبيرة. الذكاء الاصطناعي يساعد في بناء خارطة مخاطر ديناميكية تحدّث لحظيًا وتظهر ما يستحق التدخل السريع.

4) اقتراح إجراءات التخفيف

لا يكتفي بالتنبيه، بل يقترح خيارات:

  • بدائل توريد.

  • إعادة توزيع موارد.

  • تغييرات في الإعدادات التقنية.

  • حملات تواصل استباقية لتقليل أثر الشائعات.

والأهم: يقارن بين الخيارات وفقًا للتكلفة والعائد وزمن التنفيذ.

5) متابعة التنفيذ وقياس الفاعلية

يراقب المؤشرات بعد تطبيق الإجراء: هل انخفض الخطر فعلًا؟ هل ظهرت آثار جانبية؟ هل نحتاج لتعديل الخطة؟

الذكاء الاصطناعي في قلب إدارة الأزمات

عند وقوع الأزمة، تصبح السرعة والدقة والاتساق هي مفاتيح النجاة. هنا يتألق الذكاء الاصطناعي في عدة أدوار:

غرفة عمليات ذكية

لوحات تحكم لحظية تجمع البيانات من الأنظمة المختلفة وتعرض صورة موحدة:

  • أين المشكلة؟

  • من المتأثر؟

  • ما مستوى التصعيد؟

  • ما الموارد المتاحة؟

سيناريوهات جاهزة بدل الارتجال

نماذج محاكاة تساعد القادة على اختبار:

  • ماذا لو انقطع النظام 6 ساعات؟

  • ماذا لو تأخر المورد الأساسي؟

  • ماذا لو تحولت الأزمة التقنية إلى أزمة سمعة؟

ثم تقديم “مسارات قرار” واضحة بدل الارتجال تحت الضغط.

دعم التواصل أثناء الأزمة

في الأزمات، كلمة واحدة قد تهدئ أو تشعل. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في صياغة رسائل:

  • دقيقة، متسقة، تراعي الجمهور، وتلتزم بالحقائق.

  • مع رصد ردود الفعل وتعديل النبرة وفق تطور الموقف.

أمثلة واقعية مبسطة

  • في الصحة: رصد ارتفاع غير طبيعي في أعراض متشابهة ضمن منطقة محددة عبر بيانات الطوارئ أو الاستشارات الافتراضية، فيطلق إنذارًا مبكرًا ويقترح تعزيز الاستعداد.

  • في الأمن السيبراني: ملاحظة أنماط دخول مشبوهة وتغير سلوك المستخدمين والأنظمة، فيتم عزل جزء من الشبكة قبل توسع الاختراق.

  • في سلاسل الإمداد: توقع تأخر شحنة بسبب مؤشرات لوجستية أو طقس أو ازدحام موانئ، واقتراح مورد بديل أو تعديل خطة الإنتاج.

لكن .. الذكاء الاصطناعي ليس عصًا سحرية

كل تقنية قوية تحمل مخاطرها، وأخطر ما يمكن أن يحدث في الأزمات هو “ثقة عمياء” في نموذج. لذلك يلزم الانتباه إلى:

  • جودة البيانات: مخرجات جيدة تحتاج مدخلات جيدة.

  • التحيز: إذا كانت البيانات منحازة، ستكون القرارات منحازة.

  • الخصوصية والأمن: بيانات المخاطر غالبًا حساسة وتحتاج حوكمة صارمة.

  • الشفافية: القيادات تحتاج فهم “لماذا” أوصى النظام بهذا القرار.

  • العامل البشري: الذكاء الاصطناعي يدعم القرار ولا يلغي مسؤولية الإنسان.

المعادلة الأفضل هي:

إنسان خبير + ذكاء اصطناعي موثوق + حوكمة واضحة

نموذج عملي لبناء “جاهزية ذكية” في مؤسستك

إذا أردنا تحويل الفكرة إلى ممارسة، فهذه خطوات واقعية:

  1. تحديد أولويات المخاطر (أعلى 10 مخاطر واقعية في بيئتك).

  2. تجميع البيانات من مصادر تشغيلية وإدارية وإعلامية في منصة واحدة.

  3. بناء مؤشرات إنذار مبكر (Early Warning Indicators).

  4. إنشاء غرفة عمليات رقمية بلوحات متابعة لحظية.

  5. تدريب الفرق على سيناريوهات محاكاة باستخدام بيانات حقيقية.

  6. حوكمة وأخلاقيات: من يملك القرار؟ من يراجع النموذج؟ كيف نحمي البيانات؟

  7. تحسين مستمر بعد كل حادثة: ماذا تعلمنا؟ ماذا نغيّر؟

الخلاصة: الذكاء الاصطناعي يصنع “قادة هادئين” وقت العاصفة

إدارة الأزمات ليست صراخًا في لحظة الخطر، بل هندسة هادئة قبل الخطر. والذكاء الاصطناعي يمنح المؤسسات هدية ثمينة: الوضوح.
الوضوح الذي يحول الخوف إلى خطة، والتشتت إلى أولويات، ورد الفعل إلى استباق.

وعندما تدار المخاطر بعقلٍ مدعوم بالبيانات، يصبح السؤال في كل مؤسسة:
ليس “هل ستأتي الأزمة؟”
بل: هل سنكون أذكى منها؟

أ.د. عصام بن إبراهيم أزهر

رئيس وحدة الكائنات المعدية مركز الملك فهد للبحوث الطبية جامعة الملك عبد العزيز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى