
مثّل الكاتب الصحفي والمثقف السعودي سعيد السريحي -يرحمه الله- واحدًا من أبرز الأصوات الفكرية التي رافقت تحولات المجتمع السعودي على مدى أكثر من خمسة عقود، حيث كتب في الصحافة السعودية – وفي مقدمتها صحيفة عكاظ – مقالات اتسمت بعمق الطرح وجرأة السؤال، وجعلت من المقال الصحفي مساحةً للنقاش الفكري والاجتماعي والوطني.
لم يكن السريحي كاتبًا ينشغل بالحدث العابر بقدر ما كان معنيًا بالبنية العميقة للقضايا، فناقش مسؤولية القطاع الخاص في دعم الثقافة، وانتقد غياب العمل المؤسسي الثقافي، كما تناول قضايا البيئة والتنمية والخدمات العامة، متابعًا هموم المواطن اليومية بلغة تجمع بين التحليل والوضوح والجرأة المهنية. وفي مقالاته الاجتماعية والإنسانية، مثل كتاباته حول رعاية المسنين أو فرص التوظيف الأكاديمي، كان صوته أقرب إلى صوت المثقف المنحاز لقضايا المجتمع، الساعي إلى تحويل النقاش من ردود الأفعال إلى حلول مؤسساتية مستدامة.
كما تميّزت كتاباته بقدرة لافتة على الربط بين الحدث المحلي والسياق الفكري الأشمل؛ ففي تناوله لقضايا التطرف والعنف، قدّم قراءة فكرية تتجاوز الحدث الأمني إلى تحليل جذور الظاهرة، مؤكدًا أن المواجهة الحقيقية تبدأ بالفكر والوعي والمؤسسات، لا بمجرد الإجراءات الظرفية. وفي مقالات أخرى، دافع عن مفهوم الانتماء الوطني بوصفه قيمة جامعة تعزز الاستقرار وتحصّن المجتمعات من خطابات التشدد والتفكيك.
واليوم، إذ تستعيد صحيفة مكة الإلكترونية نماذج من سيرة الراحل، وتستحضر تجربة كاتب مثقف ظلّ وفيًا لدوره التنويري، وترك في ذاكرة الصحافة السعودية مقالات ستبقى شاهدة على قلمٍ أدرك أن وظيفة الكاتب ليست فقط نقل الخبر، بل صناعة الوعي، والدفاع عن قيم المجتمع، وطرح الأسئلة التي تفتح الطريق نحو المستقبل.






