
حوار صحفي : ممدوح عبد الستار
في هذا الحوار الخاص، نلتقي الروائي الأستاذ أحمد السماري للحديث عن روايته «فيلق الإبل» التي تصدّرت المشهد الأدبي مؤخرًا، مقدّمةً عملاً سرديًا يمزج بين الوثيقة التاريخية والخيال الروائي في صياغة حكاية إنسانية عابرة للحدود. يكشف الكاتب تفاصيل رحلته البحثية الطويلة بين الأرشيفات والذاكرة الشفهية والمراجع التاريخية، ويتناول رؤيته لبناء الشخصيات واستحضار روح المكان، إلى جانب تأملاته الفكرية حول الهوية، والقدر، والمشترك الإنساني بين الحضارات. كما يتوقف الحوار عند رمزية الصحراء، ودور التراث الشفهي في تشكيل السرد، وأبعاد التحولات النفسية للشخصيات في أعماله الروائية.
س١:
رواية “فيلق الإبل” – الصادرة حديثاً- غنية بالتفاصيل التاريخية الدقيقة. حدثنا عن رحلة البحث والتوثيق التي قمت بها. ما هي أبرز المصادر التي اعتمدت عليها، وما هي أكبر التحديات التي واجهتك في الموازنة بين الدقة التاريخية ومتطلبات الدراما الروائية؟
ج١:
كانت رحلة البحث في “فيلق الإبل” شبيهة برحلة أبطال الرواية أنفسهم؛ عبورٌ بين الوثيقة والخيال، وبين الذاكرة الشفهية والمصادر المكتوبة. بدأتُ من لحظة إشارة صحفية صغيرة أشعلت فضولي، ثم اتسعت الدائرة لتشمل الكتب والمراجع والخرائط والمذكرات والصور والوثائق.
من أهم المراجع التي اعتمدت عليها:
• كتب التاريخ المرتبطة بالعقيلات، مثل أعمال الأستاذ إبراهيم المسلم، وعبدالعزيز بن عبدالغني.
• كتاب العرب في أمريكا للدكتور جمال زكريا قاسم، الذي قدم أول ذكر موثق للحاج علي ورفاقه.
• مصادر أمريكية متعلقة بالحرب الأهلية وفيلق الإبل.
• مقابلات مباشرة مع باحثين ومهتمين، وعلى رأسهم الأستاذ عبداللطيف الوهيبي صاحب متحف العقيلات في بريدة.
• صور ومخطوطات وأرشيفات إلكترونية.
قال الشاعر المكسيكي والمدير الأسبق لـ “منظمة اليونسكو” “خايمي توريس بوديت”: (إن المحفوظات ليست مقابر ضخمة، وإنما هي أماكن أساسية لاستمرار الوعي البشري).
أما التحدي الأكبر فكان كيفية ألّا تتحول الرواية إلى دراسة تاريخية، وألا يكون التاريخ مجرد ديكور للنص. كنت أحرص دائمًا على أن تظل الوثيقة خادمة للحكاية، لا حاكمة عليها.
الموازنة بين الدقة التاريخية وحرية الخيال تتطلب حساسية عالية: أن أحترم الحقيقة دون أن أُحبس داخلها. وأن أُحلّق بالخيال دون أن أنفصل عن روح المرحلة.
كنت أقول لنفسي:
“إذا كان التاريخ يقدّم العظماء، فالرواية تضيء الإنسان فيهم.”
س٢:
شخصية “الحاج علي السالم” تبدو محورية وتاريخية. إلى أي مدى استندت إلى شخصيته الحقيقية التي ذكرتها في المراجع، وأين بدأت مساحة الخيال في رسم تفاصيله النفسية ودوره كمرشد في الرواية؟
ج ٢:
شخصية الحاج علي السالم هي الشخصية المحورية في الرواية، وبقدر ما اعتمدتُ على ما وصلني من سيرته التاريخية، بقدر ما اضطررت لابتكار حياة كاملة له؛ لأن الوثيقة تمنحنا الهيكل، بينما الرواية تمنح الروح.
المصادر التاريخية كانت مقتضبة جدًا: اسم، أصل، واقعة سفر، دور مع الإبل، قبر في أريزونا، ونصب تذكاري يعود لعام 1935. وبعد ذلك تبدأ المساحة البيضاء الممتدة أمام الكاتب. ما عرفناه عن الحاج علي الحقيقي أنَّه:
• من العقيلات ومن أهل القصيم.
• أول من قاد جمالًا إلى أمريكا.
• عمل متعاقداً مع الجيش الأمريكي.
• بقى هناك حتى مات، ودفن في أريزونا.
لكن الرواية لا تكتفي بأن تقول “كان هناك رجل”.
الرواية تسأل: من كان هذا الرجل؟ ماذا حلم؟ ماذا خسر؟ من أحب؟ ماذا رأى في الغربة؟ ماذا قالت له الصحراء حين غادرها؟
هنا تبدأ مساحة الخيال.
في “فيلق الإبل” حاولت أن أُعيد تشكيل الحاج علي المكتوب على جدار التاريخ لم يبقى منه إلا قبر بني عليه شاهد يعلوه جمل نحاسي، إلى إنسان من لحم وحنين وقلق وعزيمة. رسمت جوانبه النفسية انطلاقًا من روح العقيلات، رجالٍ صنعتهم التجارة والرحلة والصحراء، واستعنت ببيئته، بثقافته، بلهجته، بطقوسه اليومية، وبحيرته الداخلية بين البقاء والارتحال.
هو في الواقع حامل الجمال، وفي الرواية حامل الذاكرة والأسئلة.
الخيال جاء ليملأ ما لم تُسعف به الوثيقة: علاقاته، صراعاته، اللحظات التي تقوّيه أو تكسِره، نظرته للأمريكيين، إحساسه وهو يرى الجمل العربي يمشي في تراب غريب.
بعبارة موجزة: بدأت مع الحاج علي من حيث انتهى المؤرخ، وسرت معه إلى حيث يبدأ الإنسان.
س٣:
تطرح الرواية بعمق فكرة: “صدام الحضارات”. هل كنت تسعى لاستكشاف فكرة تفوق حضارة على أخرى، أم لإبراز أن القيم الإنسانية الجوهرية (كالشجاعة، الولاء، الخيانة، البحث عن الكرامة) هي قاسم مشترك بين جميع الثقافات رغم اختلاف مظاهرها؟
ج ٣:
الفكرة التي تشغلني ليست صدام الحضارات بقدر ما تشغلني المسافة بين الحضارات والإنسان وهو يعبرها.
لم أكتب لأُثبت أن حضارة تتفوق على أخرى؛ فالتاريخ فعل ذلك بما يكفي، والسياسة اليومية تفعل ذلك وأكثر. ما أردته في «فيلق الإبل» هو أن أذهب إلى الجهة التي ننسى النظر إليها غالبًا: المشترك الإنساني تحت ركام الاختلافات.
نعم، في الرواية لحظات احتكاك بين عالمين:
• الشرقي القادم من الصحراء وقيمها: الصبر، الشرف، الكلمة، الوفاء.
• والغربي في لحظة عسيرة من تاريخه: حرب أهلية، صراع هوية، بحث عن اتحاد ومشروع دولة.
لكن ما يظهر مع الزمن أن البشر، مهما اختلفت لغاتهم وملابسهم وطرق عيشهم، يلتقون عند صميمٍ واحد:
الخوف والأمل، الكرامة والجوع، الفقد والحب، الوفاء والخيانة، والرغبة في أن يكون للإنسان مكان في العالم.
كنتُ مهمومًا بسؤال:
هل نحن أبناء حضارات متصادمة، أم أبناء جروح وآمال متشابهة؟
وفي الحقيقة، حين ترى الجمل العربي يسير على أرضٍ أمريكية، وتسمع أقدامه تُحدث الإيقاع ذاته الذي يتركه في صحراء الجزيرة العربية، تدرك أن الكائن والإنسان يتجاوزان الحدود أكثر مما تظن الخرائط.
الرواية لا تنتصر لطرف على آخر؛
بل تنتصر لفكرة أن الحضارات تتباين، لكن القيم العميقة تتشابه، وأن الاختلاف ليس ساحة صدام دائم، بل احتمال للتكامل حين يتسع قلب الإنسان للسفر، لا للقتال.
باختصار حاولت وصف؛ عبور إنسان يتعلم كيف يرى العالم بعيون أوسع من حدود الهوية.
س٤:
تبدو شخصياتك وكأنها تتأرجح بين الإيمان بالقدر المحتوم الذي يسوقها، وبين اتخاذها لقرارات مصيرية حاسمة. ما هي رؤيتك الفلسفية التي أردت إيصالها من خلال الرواية حول علاقة الإنسان بمصيره؟
ج ٤
العلاقة بين الإنسان ومصيره كانت بالنسبة لي خيطًا خفيًا ينساب تحت كل مشهد في «فيلق الإبل».
هؤلاء الرجال خرجوا من صحراء يعرفون أن القدر نافذ، لكنهم أخذوا بأسباب الرحلة وكأن العالم بيدهم. هذا التوازن بين التسليم والفعل، بين القَدَر والقرار، هو جوهر التجربة الإنسانية في نظري.
في ثقافتنا، نقول: “اعقلها وتوكل”.
وفي الفلسفة الغربية، نجد الفكرة ذاتها في سؤال:
هل نحن أحرار حقًا أم محكومون بما كُتِب؟
أردت أن أُظهر أن الإنسان يعيش دائمًا بين قطبين:
• قدرٌ يسوقه إلى المجهول
• وقرارٌ يصنعه في لحظة صعبة.
الحاج علي بدأت حكايته تاجر تقلبه الأقدار؛ ثم نضج لرحالة اتخذ قرارًا مصيريًا بعبور البحر إلى عالم لا يعرفه. ومع ذلك، كان يشعر في أعماقه أن الطريق مفتوح له قبل أن يولد، كما لو أن الصحراء كلّفته برسالة عليه إكمالها.
الرواية تقول؛ دون خطاب مباشر إن:
“القدر يفتح الأبواب، والإنسان يقرر إن كان سيدخل أم لا.”
ولذلك لن تجد الشخصية في الرواية منسحقة تمامًا أمام المصير، ولا متجبرة تتخيل أنها تصنع الكون وحدها. هي تقف في منطقة الوسط، حيث يختبر الإنسان حريته وذعره معًا، ويكتشف أن أعظم الرحلات تبدأ عندما يتصالح مع أنه يعرف الطريق… ولا يعرفه في اللحظة نفسها.
س٥:
الصحراء في رواياتك تبدو كشخصية حية لها قوانينها ومزاجها. كيف عملت على بناء هذا الحضور القوي للمكان؟ وما هي أبرز المفارقات التي أردت إظهارها عند نقل أبطالك من هذه الصحراء المفتوحة إلى أراضي أمريكا الخضراء ومدنها الصاخبة، والبلاد الأخرى؟
ج ٥:
كنت أرى الصحراء في «فيلق الإبل» مكانًا فسيحاً متنوعاً أقرب إلى كائنًا أُصغي إليه.
قد تكون الصحراء في نظر البعض فراغًا جغرافيًا؛ وفي مجال رؤيتي السردية تجمع الذاكرة، والقانون والفلك، ومهاجع الروح، وجهاز بث الأشارات ..قاسية وعادلة في آنٍ واحد. الإنسان في الصحراء لا يتكلّم مع الرمل، هو في الحقيقة يتخاطب مع نفسه، ومع الله، ومع مصيره. وأتذكر بهذه المناسبة مقطع كتبته يعبر عن شيء عن هذا في رواية الصريم:” هكذا أهل الصحارى، يحبّون هذا الزائر البخيل في زيارته لهم، تُلقي به المواسم القصيرة في الدروب، ثم يمضي مسرعاً، فالشمس الحارقة ستبخره سريعاً إلى أصوله الحقيقية في الغيم السماوي، أو تشربه رمالهم الظمأ، لكن فرح العطشى وامتنانهم لا يجاريه فرح أو ابتهال، حيث يصبح الارتواء ثناء، وفرح، وفنون، يذهب بهم إلى أقصى درجات السعادة، عقائدهم بسيطة نقية ومباشرة، لا ينمون رغبتهم في الملكية، فقد علمهم الجفاف أن الملكية قضية فارغة وتعلّموا من الطبيعة أيضاً ألا يلهثوا وراء الحاجات، عندهم الماء والعشب والنار ملكية عامة لأنها ملك الله.”
عندما كتبت، وجدت في الصحراء خلفية للحكاية، والأحداث قامت بدور المربٍّ والموجّه؛ هي التي تصنع رجال العقيلات، وتعلّمهم الصبر، والبصيرة، واحترام الطريق، وفن اتخاذ القرار بعيدًا عن الضجيج.
عملت على بناء حضورها عبر:
• اللغة الممشوقة التي تحمل جفاف الرمل ووهج الشمس وليل النجوم.
• الإيقاع البطيء العميق الذي يشبه خطوات الجمل وثقل الرحلة.
• الذاكرة الشفهية للقصيم والعقيلات و أصوات الحداء لسَوْق الإبل وحثها على السير في الصحراء.
• إدخال الصحراء في داخل الشخصيات، لا حولها فقط.
ثم جاء التباين: أن تنتقل هذه الأرواح المصقولة بالريح والرمل إلى أراضٍ خضراء، ومدن تنبض بالبخار والحديد والمصانع والقطارات، فذلك يخلق صدمة جمالية وإنسانية.
هذا الانتقال في ظاهره سفر جغرافي؛ وفي وجدانه رحلة من لغة الطبيعة إلى لغة الصناعة، ومن صمت النجوم إلى صخب المدافع، ومن خُبْب الإبل إلى جلجلة عربات الخيل.
في الرواية، حتى حين وصلوا إلى أمريكا، بقي الرمل في جيوبهم، والريح في صدورهم، وصوت الحداء في خطواتهم.
المفارقة التي أبرزتها هي التالي:
الصحراء تُخرّج رجالًا يعرفون كيف يعيشون في اتساع، فإذا أدخلتهم المدن في زحمتها، حملوا معها سعة الصدر، لا ضيق الشارع.
س٦:
استخدامك للشعر النبطي والأمثال لم يكن مجرد زخرفة، بل بدا جزءاً عضوياً من نسيج النص والحوار. كيف ترى دور هذا الموروث الشفوي في إضفاء المصداقية على الشخصيات وبناء عوالمها الداخلية؟
ج ٦:
اللغة أداة السرد؛ وهي هوية، وذاكرة، وصوت الناس في أعماقهم. لذلك لم يكن إدخال الشعر النبطي والأمثال الشعبية في «فيلق الإبل» سوى عودة إلى اللسان الأول لشخصيات تأتي من قلب الصحراء ووجدان العقيلات.
هؤلاء الرجال لم يتعلموا التعبير في المدارس النظامية، لقد صقلتهم الرفقة في السفر، وسماع الحكايات والقصائد، وأغاني الركبان، وبلاغة الأمثال التي تختصر التجربة في حكمة قصيرة. لذا، حين ينطقون في الرواية، يكون الشعر جزءًا من تفكيرهم، والمثل مفتاحًا لوعيهم، وتصقل منطقهم، وتنضج بها شخصياتهم.
الموروث الشفهي هنا يخدم ثلاثة أبعاد أساسية: المصداقية التاريخية والثقافية، بناء العالم الداخلي للشخصيات، إيقاع النص وجماله.
أعتقد أن الرواية التي تستلهم من التراث يجب أن تجعله يتنفس داخل الجملة، لا أن تضعه كقشرة خارجية.
ولهذا قلت في داخلي وأنا أكتب: إن لم تنطق الشخصيات بلغتها، فقد خانتها الرواية.
وبالنهاية، الشعر النبطي والأمثال والحكم هي صوت المكان، وضوء الذاكرة، ودفء الناس في رحلتهم الطويلة تحت نجوم سماء الصحرء.
س٧:
لماذا اخترت اسم “ابنة ليليت” في روايتك الثالثة، تلك الشخصية الأسطورية المتمردة، عنوانًا لروايتك؟ وما هي الرسالة التي أردت إيصالها من خلال هذا الربط الرمزي بشخصية “جواهر”؟
ج ٧:
اختياري للعنوان في رواية «ابنة ليليت» بعيد كلّ البعد عن البعد الزخرفي، ولم تكن محاولة لاستدعاء غرابة أسطورية، كان العنوان بوابة رمزية أدخل من خلالها القارئ إلى عالمٍ تتصارع فيه الحرية مع القيد، والهوية مع الموروث، والرغبة في الانطلاق مع ثقل القرون.
ليليت في الميثولوجيا كيانٌ متمرّد، خرج عن النسق المفروض عليه، رفض الخضوع، ودفع ثمن تمرده.
هذه الرمزية تعنيني في الأدب لأنها تمثل مفهوم الإنسان حين يقرر أن يكون ذاته، لا ما يُراد له أن يكونه.
أما شخصية جواهر، فهي ليست «ليليت» في حقيقتها، لكنها ابنة الفكرة: فتاة سعودية تنتمي إلى بيئة محافظة ومحكومة بتوقعات اجتماعية صارمة، ومع ذلك تحمل في داخلها رغبة عنيفة في أن تعرّف نفسها بنفسها، وأن تمتلك قرارها في العالم، حتى لو دفعت أثمانًا مؤلمة.
لم أرد أن أقول إن جواهر هي نموذج للتمرد العدمي أو الصدام مع المجتمع؛
بل أردت أن أجعل منها صوت السؤال:
هل يستطيع الإنسان أن يصنع حريته داخل نُسقه، أم عليه أن يغادره؟
وهل التحدي الحقيقي في أن نكسر القيود، أم أن نعيد تعريفها؟
اخترت «ابنة ليليت» لأنني كنت أبحث عن لغة رمزية للحظة انبثاق المرأة من حدود المفهوم التقليدي نحو أفق أوسع، دون أن تخسر جذورها أو كرامتها أو إنسانيتها.
لم تكن جواهر ثورة على المجتمع؛ كانت ثورة على الصورة الجاهزة للمرأة في الوعي.
هي ابنة ليليت لأنها ابنة الدهشة، والريبة، والسؤال، والجرأة على التفكير بصوتٍ عالٍ.
هذا الربط كان دعوة خفيّة لأن نعيد التفكير في حرية المرأة العربية لا بوصفها انفصالًا، بل بوصفها اكتمالًا.
س ٨:
“جواهر” في رواية “أبنة ليليت” شخصية مركبة تجمع بين القوة والهشاشة، التمرد والخضوع أحياناً. كيف بنيت هذه الشخصية متعددة الأبعاد؟ وهل تمثل “جواهر” شريحة معينة من النساء في مجتمعاتنا؟
ج ٨:
حين صغت شخصية جواهر في «ابنة ليليت»، كنت أبحث عن امرأة تشبه نبض الحياة الحقيقية؛ امرأةٌ تتقلّب بين قوةٍ تعصمها وهشاشةٍ تُظهر إنسانيتها، وبين رغبة في التحرر وأخرى في الرضا والصمت. التناقض لا ينتقص من الشخصية، وإنما يمنحها عمقًا ويجعلها أكثر صدقًا وقربًا من روح القارئ.تشكّل بناء جواهر على ثلاثة مستويات متداخلة:
عمقها الداخلي: صراع دائم بين صوتٍ يطالبها بالتحقق وامتلاك مصيرها، وصوتٍ آخر يذكّرها بما يتوقعه منها المجتمع والأسرة والذاكرة. هي شخصية تعرف ما تريد أحيانًا، وتخشى ثمنه أحيانًا أخرى.
سياقها الاجتماعي: تنتمي إلى بيئة محافظة تُجلّ قيمها وتعتز بانتمائها لها، ومع ذلك تواجه حدودًا لا تختارها، وحدودًا تختبرها، وحدودًا تتمنى أن تتجاوزها بطريقة لا تجرح انتماءها ولا تُذيب هويتها.
أسئلتها الوجودية: تسعى جواهر لاكتشاف ذاتها وترتيب فوضى روحها، تبحث عن موطئ قدم في عالم يتغير، وتحاول فهم صوتها الخاص بعيدًا عن الضجيج الخارجي والداخلي معًا.
هي تمثل طيفًا واسعًا من النساء اليوم؛ نساء يمتلكن الوعي والطموح، وينظرن إلى الأبواب المفتوحة أمامهن ويختبرن في الوقت نفسه ثقل التاريخ والعادات وسؤال الهوية.
جواهر ليست نقيض المجتمع، وليست ظلّه؛ إنها امرأة تتعلم عبر التجربة، وتتقدم خطوة وتتراجع أخرى، وتبني حريتها بفعل المحاولة، لا بالصراع وحده.
في جوهرها: جواهر إنسانة تبحث عن ذاتٍ أهدأ، وصوتٍ أوضح، وحياةٍ تليق بكرامتها وأحلامها.
س٩:
في الرواية، نرى تحولاً في هوية البطلة من “جواهر” إلى “جورجيت” ثم “جي جي”. هل كان هذا التحول في الأسماء ضرورة درامية يعكس صراعها الداخلي مع الهوية؟
ج ٩:
التحول من جواهر إلى جورجيت أو إلى جي جي (تصغير مجازي)، لم يكن تنويع في الأسماء، وإنما مسار رمزي لحركة الهوية داخل روح البطلة. الأسماء في الرواية تعبر عن أصواتًا مختلفة تُنادى بها الشخصيات كتطور زمني، تعبر عن تحولات وتصدّعات ومحاولات للتماهي مع بيئات مختلفة.
عندما كانت جواهر، ابنة أرضها وثقافتها وتربيتها الأولى، تحمل يقينًا يشبه اتساع الصحراء. وحين أصبحت جورجيت، ظهرت محاولة لتجريب هوية جديدة تتيح لها المرور في عالم آخر، عالم يفتح أبوابًا ويغلق أخرى، ويمنحها فضاءً خارجيًا مقابل تقلّبات داخلية كثيرة. أما اسم جي جي، فيمثل منطقة رمادية لا هي هنا ولا هناك، اسم خفيف وسريع، يعكس حالة التشتت والبحث عن صيغة تتسع لروحها وذاكرتها ومستقبلها في الوقت نفسه.
التحول في الاسم إشارة إلى رحلة داخلية أعمق من أي تغيير خارجي، رحلة لا تبحث فيها الشخصية عن وجه جديد بقدر ما تبحث عن شكلٍ أصدق لذات قديمة تتجدد في كل منعطف.
س ١٠:
ما هو الدور الذي تلعبه الشخصيات الثانوية، مثل “الحاج متولي” في مصر أو الصديقة “إليزابيث” في أمريكا، و”د.مشاعل” في رحلة “جواهر” وتطورها النفسي؟
ج ١٠:
الشخصياتُ الثانوية في الرواية تؤدّي دورَ محطّات العبور في رحلة جواهر النفسية والفكرية؛ حضورها ليس جانبيًّا ولا تجميليًّا، وإنما ضروري لإعادة تشكيل وعي البطلة وكشف مساحات جديدة داخلها.
• الحاج متولي: رمزُ الحكمة الشعبية المتصالحة مع الحياة. يذكّر جواهر بجذورها، وبقيمة الوفاء والتسامح، ويهبها لحظاتِ اتزان وسط اضطراب الأسئلة. لغته البسيطة تحمل جوهرًا عميقًا، وتمنح علاقتُه بها رصانةً وجدانية كلما مالت كفّة الحيرة.
• إليزابيث: نافذةٌ على عالمٍ آخر؛ صديقةٌ ترى جواهر بعينٍ مختلفة وتُتيح لها مساحة التساؤل عن ذاتها من غير خوف أو شعور بالذنب. صوتٌ قادم من ثقافة مغايرة يفتح احتمالاتٍ ومعايير جديدة، ويُعينها على فرز ما تريد الاحتفاظَ به من ماضيها وما تسعى لاكتشافه في مستقبلها.
• د. مشاعل: صوتُ الذات الحكيم الذي بقي يكمّل مسيرة جواهر الحياتية، وجسرُ العبور للعودة إلى الأصل والمجتمع الذي غادرته قبل سبعةٍ وعشرين عامًا؛ حضورٌ علاجيّ/إرشاديّ يرمّم الصدى الداخلي ويعيد ترتيب العلاقة بين الداخل والخارج.
لا أعدّ هؤلاء مساندين تقليديين؛ يمكن وصفهم بـنقاط ضوء على مسار البطلة: يوسّعون رؤيتها، يوقظون شكوكًا ويزرعون طمأنينات، ويمنحون الرحلة أبعادًا تتجاوز وحدتها الداخلية. يظهر أثرهم في نبرة القرارات، وإيقاع التساؤلات، وفي اكتشاف أن الإنسان يتشكّل من لقاءاته بقدر ما يتشكّل من آلامه واختياراته.
س١١:
تطرح الرواية فكرة “تشظي الهوية” بشكل واضح. برأيك، إلى أي مدى يعاني إنسان اليوم، وخاصة المهاجر، من هذا الصراع في عالم يتسم بالعولمة وتداخل الثقافات؟
ج ١١:
تشظّي الهوية أصبح واقع يعيشه إنسان اليوم عموماً، ومن يهاجر أو يتنقل بين ثقافتين أو أكثر على وجه الخصوص. العالم المعاصر يفتح الأبواب، ويخلط اللغات، ويقرّب المسافات، وفي الوقت نفسه يضع الإنسان في مواجهة سؤال صعب: من أنا وسط هذا الاتساع؟
المهاجر على وجه الخصوص يعيش في منطقة رمادية؛
يحمل جذوره في قلبه، لكن خطواته تمضي فوق أرض جديدة، يرى في المرآة وجهًا واحدًا، بينما داخله يتكوّن من أكثر من طبقة وذاكرة وصوت. تتجاذبه الرغبة في الاندماج والخوف من الذوبان، الحنين للماضي والفضول تجاه المستقبل، الانتماء للأصل والبحث عن قبولٍ في المكان الجديد.
العولمة قدّمت فرصًا هائلة للتعارف والتواصل، لكنها في الوقت نفسه صنعت مساحة من القلق: كيف يحتفظ الإنسان بروحه وهو يعيد تشكيلها كل يوم؟
أتذكر أقتباس يتحدث عن الغرباء في روايتي الصريم “إنّهم الأجانب الغرباء الهاربون من أقدارهم إلى غربة اختاروها، تموء فيها أحزانهم حتى يكاد صوت الحزن أن يبحّ… في الغربة لا قدرة لأحد أن يحتضن أوجاعه ولا احتواء تبعثره… هم دائماً الدخلاء الهاربون من جراحهم، اللاجئون إلى أوطانهم… إنّ العالم لا يراك أنت الساكن داخل ثياب اللحم والعظم، لا يهتمّ بمقدار ذرّة بآلامك وأحلامك وبأحزانك التي تنبض داخلك… الأمر بسيط بقدر ما هو عبثيّ وقاسٍ لدرجة الوجع”.
في «ابنة ليليت» أحاول أن أقول إن الهوية تحولت إلى حالة سائلة وتتشكل بما يمرّ عليها. ومع كل تغير، وتبقى نواة صلبة في الداخل، نواة لا تُشترى ولا تُباع، وتظلّ دليلًا وسط الضجيج.
الإنسان بطبيعته لا يفقد هويته بسهولة، أن الهوية رحلة أكثر منها محطة، وأن الحفاظ على الذات لا يعني الانغلاق، والاندماج لا يعني التلاشي، وأن اتساع العالم لا يُخيف حين يكون الداخل متماسكًا.
س١٢:
“الموت يقتل المستقبل، والخيانة تقتل الماضي والمستقبل”. هذه إحدى العبارات الفلسفية العميقة في الرواية. هل يمكن أن تحدثنا أكثر عن رؤيتك لمفهومي الخيانة والخذلان وتأثيرهما على النفس البشرية؟
ج ١٢:
هذه العبارة خرجت من أعماق التجربة الإنسانية أكثر مما خرجت من سياق سردي. الموت، مهما كان مؤلمًا، يصنع فراقًا واحدًا نهائيًّا؛ يقف أمامك كقدر يُغلق بابًا، لكنه يُبقي الذاكرة نقيّة، ويترك للحزن مسارًا للشفاء مع الزمن.
أما الخيانة فهي فراقٌ متواصل، موت متكرر، يضرب الجذور لا الأغصان. الخيانة تنسف معنى اللحظات التي عشتها مع شخص أخر، وتشككك في ثقتك بذاتك وباختياراتك وبالعالم.
الموت يطعن اللحظة، والخيانة تطعن الزمن بأكمله.
الموت يترك عزاءً، والخيانة تترك سؤالًا لا يهدأ: كيف حدث ذلك؟
الموت يدفعك للحزن، والخيانة تدفعك لإعادة قراءة نفسك والمحيطين بك من جديد،لأن أسوأ شيء في الخيانة؟! إنها لا تأتي من العدو، ولكن من المقربين، وكلما زاد القرب، زاد ألم الخيانة.
في الرواية، كانت الجملة محاولة لتفسير هذا الشرخ الذي يحدثه الخذلان في النفس؛ ذلك الألم الذي لا يصدر من السكين، بل من اليد التي كنت تعتقد أنها ستحميك. الإنسان قادر على أن يتصالح مع الفقد، لكنه يبقى طويلًا يحاول أن يتصالح مع الخذلان.
لذلك كتبت : “الموت يقتل الغد؛ الخيانة تقتل الأمس والغد معًا”.
وبعدها، يقف الإنسان محاولًا أن يستعيد إيمانه بالناس، وإيمانه بنفسه، وهنا يبدأ العلاج الحقيقي.
س١٣:
اعتمدت في السرد على تقنية تعدد الأصوات بين “جواهر” وابنتها “ميلا”. ما الذي أضافته هذه التقنية للنص؟ ولماذا اخترت أن تكون “ميلا” هي من يروي جزءًا من حكاية والدتها؟
ج ١٣:
تقنية تعدد الأصوات ليست غريبة على تجربتي الروائية؛ فقد طبّقتها في رواية «قنطرة» من خلال خمسة أصوات مختلفة، لذلك كان الأمر في «ابنة ليليت» أكثر سلاسة من حيث البناء والسيطرة على الإيقاع الداخلي للسرد. هذه التقنية تمنحني القدرة على الاقتراب من الشخصية من زوايا متعددة، وتسمح للقارئ برؤية الحدث ليس منظور الراوي وحده، لكنها تترك الشخصيات أن تتكلم عن حياتها كاملة.
اختيار ميلا لتكون صوتًا موازيًا لجواهر بالإضافة لكونها حاجة تقنية للسرد كانت خيارًا إنسانيًا.
جواهر تعيش رحلة البحث عن ذاتها، وميلا ترث الأسئلة قبل أن ترث الإجابات. أن تتكلم الابنة يعني أن الرواية لا تكتفي بوصف التحولات، وتنقل أثرها عبر جيلين؛ بين أم تحاول أن تجد صوتها، وابنة تحاول أن تفهم هذا الصوت.
أردت لصوت ميلا أن يكون مفتاحًا لقراءة الماضي بعين المستقبل، وأن يمنح الرواية ضوءًا آخر:
ضوء البنت التي لا تحاكم أمها، لكنها تفهمها عبر المحبة والدهشة والتساؤل.
بهذا البناء،، بين ما كان وما سيكون، بين هوية تتشكل وأخرى تتعلم، وكيف تتسع لهما الحياة.
س ١٤:
الزمان والمكان عنصران فاعلان في الرواية، من صحاري السعودية إلى ولايات أمريكا المتحاربة. كيف أثر هذا التنوع الجغرافي على بناء الأحداث وتطور الشخصيات؟
ج ١٤:
الزمان والمكان في الرواية قوتان فاعلتان في تشكيل الشخصيات ودفعها نحو التحوّل. الانتقال من البيئة الصحراوية الهادئة المجبولة على التأمل والصبر وبطء الإيقاع إلى مدن أمريكا الصاخبة بثقافتها المتسارعة وحركتها الحادّة. يحقق العبور الوجودي يختبر روح الإنسان حين يُنتزع من جذره الأول ويُلقى في عالم آخر.
الصحراء صنعت شخصيات تعرف قيمة الصمت، وتفهم معنى الرفقة، وتدرك أن الطريق يُقاس بالتحمل لا بالسرعة. هناك مساحة واسعة للروح كي تُصغي لنبضها الداخلي، وتنضج خياراتها على نار هادئة. وعندما تنتقل هذه الروح إلى مدينة مزدحمة، تصطدم بإيقاع جديد للحياة، وطرق مختلفة لفهم الوقت، والعلاقات، والقوة، والحرية.
هذا التنوع الجغرافي خلق بطبيعة الحال تنوعًا في التجربة: في الصحراء، الشخصية تتعلم الثبات. لكن في المدينة، تتعلم الحركة. في الصحراء، الزمان صديق صبور. وفي المدينة، الزمن سيف دقيق لا يتسامح.
هذا الاشتباك بين عالمين سمح للرواية أن تستكشف الهوية وهي تتشكل، أؤمن أن المكان أرضًا نمشي عليها وفضاءً يُعيد تشكيل وعينا وقراراتنا وحدودنا وجرأتنا على الاختيار.
وهكذا، خلق التنوع الجغرافي في الرواية طريقًا يجعل القارئ يرى الشخصيات وهي تتقاطع مع المكان، وتتكيف معه، وتكتشف نفسها عبره، رحلة بحث دائم عن بيتٍ داخلي لا تضيع فيه النفس مهما تغيّر الخارج.
س ١٥:
تم اختيار رواية “أبنة ليليت” ضمن القائمة الطويلة لمشروع تحويل الروايات السعودية إلى سيناريوهات سينمائية. هل تتخيل هذا العمل على الشاشة الكبيرة؟ ومن هي الممثلة التي قد تجسد شخصية “جواهر” المعقدة برأيك، وما هو المردود الأدبي علي الرواية وعليك بشكل شخصي؟
ج ١٥ :
اختيار «ابنة ليليت» ضمن القائمة الطويلة لمشروع تحويل الروايات السعودية إلى سيناريوهات سينمائية كان محطة مبهجة في رحلتي مع الكتابة، وإشارة إلى أن النص يحمل طاقة بصرية وتكوينية قابلة للعبور من الورق إلى الشاشة. منذ اللحظة الأولى كنت أرى الرواية تتحرك، وأسمع صمت جواهر في المشاهد، وأتابع نبضها وهي تتنقل بين عوالمها.
أتمنى أن أراها عملًا بصريًا نابضًا بالتوتر الداخلي واللغة الرمزية والتحولات النفسية العميقة. شخصية جواهر، تحتاج ممثلة تمتلك القدرة على التعبير بالعين قبل الكلمة، وتستطيع أن تقول الحيرة والصراع دون خطاب. هناك أكثر من اسم سعودي وخليجي وعربي يملك هذه الطاقة، وتبقى المسألة في اختيار من تستطيع أن تتنفس الشخصية لا أن تقلدها. أحتاج وجهًا فيه جدّة وصدق، وحضورًا يعيش بين الرقة والقوة، وبين الانكسار وصوت النهضة من جديد.
أم الشكل فقد قام الذكاء الاصطناعي بتقريب الصورة (مرفقة).
أما عن المردود على الرواية، فأعتقد أن حضورها في السينما سيمنحها روح جديدة من الحياة، وسيصل بها إلى قارئ آخر ومتلّقٍ آخر. العمل حين يتحرك بالصورة يتضاعف أثره؛ تمتد الحكاية إلى من لا يقرأ ولكنه يرى، وإلى من يريد أن يعيش التجربة لا أن يكتفي بتخيلها.
وعلى المستوى الشخصي؟، هذا الاختيار كان بمثابة رسالة طمأنينة للكاتب الذي في داخلي، تقول له:
إن الحكاية التي حملتها في قلبك طويلاً تستطيع أن تعبر، وأن اللغة التي اشتغلت عليها ببطء ووعي يمكن أن تتحول إلى ضوء فوق شاشة. وربما كانت أجمل المكافآت أن أرى “ابنة ليليت” تسير في فضاء أوسع،وتتحدث بلغات جديدة وتواصل حياتها بين القرّاء والمشاهدين معا.







