المقالات

التفاؤل..عبادة خفية وقيمة إنسانية!

التفاؤل قيمة إنسانية سامية وعبادة قلبية خفية تبعث في النفس الطمأنينة، وتخفف عن العقل أعباء القلق والتوتر. وتريح الروح فالمتفائل ينظر إلى الحياة بعين الأمل، ويقرأ الأحداث بوعيٍ هادئ بعيداً عن النظرة السوداوية التي ترهق التفكير وتستدعي الحزن وتُثقل النفس بلا طائل. ومن هنا كان التفاؤل سبيلاً إلى السعادة والاستقرار النفسي والرضا الداخلي.
وحين يتفاءل الإنسان تتوازن مشاعره ويهدأ داخله، ويصبح أكثر قدرة على مواجهة تقلبات الحياة بثبات واتزان.
وقد جاء الإسلام ليؤكد هذا المعنى الإنساني الراقي، فجعل التفاؤل خُلقاً محموداً وسلوكاً مستحباً، لأنه يعزز صلة العبد بربه ويعمّق ثقته بخالقه الذي تكفّل بأرزاق العباد وأحوالهم، وطمأن قلوبهم بأن كل شيء يجري بعلمه وتقديره وحكمته. ولهذا نهى الدين عن التشاؤم وعدّه مناقضاً لحسن الظن بالله، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام «لا طِيرة ولا تشاؤم»، تأكيداً على أن المؤمن لا يعلّق قلبه بالأوهام ولا يستسلم للقلق ولا يفسر الأحداث بنظرة سوداء، بل يمضي في حياته متوكلاً على الله بحسن الظن واطمئنان القلب.
ولم يكن هذا المعنى غريباً عن وجدان العرب وثقافتهم، فقد قالوا: «تفاءلوا بالخير تجدوه»، وهي حكمة تختصر تجربة إنسانية طويلة، تؤكد أن التفاؤل يفتح أبواب الأمل، وأن حسن التوقع يقود غالبًا إلى حسن العطاء. فحين يثق الإنسان بالله تعالى تتحول المحن إلى منح ويتبدل الألم إلى أمل ويغدو الضيق سعة والظلام فجراً مشرقاً واليأس فألاً حسناً وانتظاراً واثقاً لفضل الله وكرمه.
وحسن الظن بالله ليس مجرد شعور داخلي..بل هو عبادة قلبية عميقة، ومن الحكمة أن يتشبث بها المؤمن، لأن الله سبحانه لا يخذل من توكل عليه ولا يخيّب أمل من أحسن الظن به. فكلما كان العبد صادق الرجاء قوي التوكل عظيم الثقة، كان أقرب إلى عطاء الله ورحمته.
وقد قيل “من كان رضا الله همّه، كفاه الله ما أهمّه”
وما أصدق هذه الحكمة حين تتجلى في واقع الحياة وتجارب الناس.
والمعروف أن المتفائلين يتمتعون بقوة التفكير الإيجابي والنظر إلى الجانب المشرق من الأحداث، يتعاملون مع الواقع بكل وعي وحكمة. أما المتشائم فإنه لا يلتفت إلى النور بل يركز في الظلال، فيتعب نفسه ويُتعب من حوله ويضيق عليه واسع الحياة.
ولذلك فإن المتفائل غالباً ما يكون مصدر سعادة لمن حوله في محيط الأسرة وبين الأصدقاء وفي بيئة العمل، بكلماته ونظرته وأسلوبه وروحه المتزنة. والإنسان الرشيد هو من يحيط نفسه بالمتفائلين، لأنهم يمنحونه طاقة إيجابية ويعينونه على تجاوز الصعوبات ويزرعون في نفسه السرور والأمل.
وقديماً قيل: صاحب المتفائلين تسعد، وصاحب المتشائمين تتعب.
فالتفاؤل ليس مجرد خيار نفسي، بل أسلوب حياة وطريقاً إلى السعادة..التي تنبع من الثقة بالله والرضا بقضائه وحسن الظن بحكمته، فمن أحسن الظن بالله..أحسن الله له العطاء.

عبدالناصر علي الكرت

تربوي - كاتب صحفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى