يوم التأسيس السعودي يختلف جذريًا عن اليوم الوطني؛ فَيوم التأسيس هو النواة الأولى لبروز الدولة السعودية، التي مثّلت انعتاقًا من هيمنة الحكم غير العربي بعد سقوط الدولة العباسية في منتصف القرن السابع الهجري، مع إضفاء الشخصية العربية بشرعية إسلامية. فكان لها القبول الذي منحها الاستمرار، حتى مع القضاء المزعوم على الدولتين الأولى والثانية.
وهذا القبول المجتمعي لم يأتِ من فراغ، أو نتيجة شعارات جوفاء، بل جاء نتيجة تغيّر جذري لم يألفه عرب شبه الجزيرة العربية، وهو وحدة مجتمع عربي ذي عقيدة إسلامية واحدة.
وقد أسهم ذلك في استمرار الدولة السعودية، يضاف إلى ذلك الحالة السابقة لشبه الجزيرة العربية، التي كانت عبارة عن إمارات صغيرة لم تتخذ صفة الدولة بمعناها ومتطلباتها، بل كانت تأخذ صفة المشيخة القبلية.
والمتأمل للتاريخ يقف أمام تساؤل جوهري مهم يعطي إجابات منطقية، وهو:
ماذا لو بقيت شبه الجزيرة العربية دون وحدة وطنية؟
الجواب الواقعي والمنطقي: كانت ستبقى إمارات صغيرة، كثير منها في نطاقات جغرافية تشجع على الفقر والضعف الاقتصادي، وبعضها في نطاقات قد لا تناسب متطلبات العصر في البناء العمراني، كالإمارات الجبلية في جنوب الوطن.
أعتقد أنه لو بقي الوطن دون مبادرة توحيد على يد الإمام محمد بن سعود — رحمه الله — ورجاله، لربما كان كثير من تلك الإمارات خارج سيطرة الوطن اليوم، ولقمة سائغة للأطماع التي لا تخفى على أحد.
وفي ذكرى يوم التأسيس عبرة تاريخية، تتمثل في النقلة التي أحدثتها الدولة السعودية لعرب شبه الجزيرة، بعد أن كانوا يميلون إلى حياة أشبه بالبدائية تقوم على التنقل في ظل بيئة جغرافية طاردة، إلى مجتمع له شخصيته وهويته ووطنه الذي يستقر فيه.
وقد جعل ذلك إنسان هذا الوطن — منذ الدولة السعودية الأولى — يمتلك وعيًا وطنيًا في الحفاظ على شرعيته ووطنه، دون أن تجرفه التيارات والحركات التي هزّت أوطانًا أخرى، مثل الدولة العثمانية التي سقطت نتيجة تيارات فكرية في ذلك الزمن.
وكذلك في الأحداث التي عاصرت الدولة السعودية (المملكة العربية السعودية حاليًا)، ظل الوعي لدى أبناء الشعب السعودي وعيًا تراكميًا، ولا يُعوَّل على الشواذ؛ فلكل قاعدة شواذ.
ولسان حال الشعب السعودي عبر تاريخه يقول:
ماذا لو سلكنا منهج بعض الأوطان التي انجرفت خلف تلك الصيحات والتيارات والحركات؟
نحن في وطن يختلف جذريًا عن كثير من الأوطان على هذه الكرة الأرضية، وأعتقد أن العبث بهذا الوطن أو الانسياق خلف تلك الصيحات والتقليعات له تبعات عالمية، وقد يجعلنا مطمعًا لجهات عدة؛ فنحن وطن يحتضن الحرمين الشريفين، وحين يفقد الأمن فيه — لا سمح الله — سيأتي من يزعم أنه سيحمي الحرمين.
وهناك أطماع تاريخية واقتصادية لا تخفى، والأحداث المعاصرة تثبت ذلك الطمع والرغبة في امتلاك ما تمتلكه المملكة العربية السعودية.






