قال الله تعالى:﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ (البقرة: 204–205).
هذه الآية الكريمة ليست وصفًا عابرًا لنموذج بشري، بل هي تشريح دقيق لظاهرة متكررة عبر العصور: إنسان يملك فصاحة اللسان، وجاذبية الطرح، وحسن المظهر، فيُعجب الناس قوله، بل قد يُقسم ويُشهد الله على ما في قلبه، فيطمئن له السامعون، ويمنحونه ثقتهم، بينما تخفي السريرة خصومة وعداء وسعيًا للإفساد متى سنحت الفرصة.
إن خطورة هذا النموذج لا تكمن في عدائه الصريح، بل في قدرته على التمويه. فهو لا يهاجم من الخارج، بل يتسلل من بوابة الثقة. لا يرفع شعار الشر، بل يتزيّن بعبارات الخير. هنا يكون الامتحان الحقيقي للوعي والبصيرة. وبعض الناس – من طيبة قلوبهم وصفاء نياتهم – يصدقون بسرعة، ولا يخالجهم أدنى شك حين يرون هيئة المتحدث الوقورة ولسانه المعسول، خاصة إذا جاء الخطاب في شهر رمضان المبارك، ذلك الشهر الذي يظن كثيرون أن قدسيته كفيلة بأن تمنع كل استغلال أو تمرير أجندة خفية. فيتوهم البعض أن الشهر بذاته حصانة أخلاقية لكل من يتكلم باسمه أو يتزين بشعاراته، بينما الواقع يثبت أن استغلال العواطف الدينية قد يكون أشد أثرًا حين يُستخدم في غير موضعه. إن قدسية الزمان لا تعصم الإنسان إن لم يكن في قلبه تقوى. والشعارات لا تغني عن الحقائق. والهيئة لا تكشف بالضرورة عن السريرة. فكم من ضحايا وقعوا تحت تأثير خطاب مؤثر، أو مظهر منمق، أو كلمات مفعمة بالعاطفة، ثم اكتشفوا أن وراء البيان سحرًا يُخدِّر العقول أكثر مما يُنيرها. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان لسحرًا»، أي أن البلاغة قد تأسر السامع وتوجهه، وربما خدعته إن لم يكن يقظًا. وهنا تبرز قيمة الوعي التي أكدها الإسلام؛ فالمؤمن ليس ساذجًا ولا مندفعًا، بل هو – كما ورد في الأثر – كَيِّس فَطِن، يتأنى، ويتثبت، ولا يبني مواقفه على مجرد العبارات الرنانة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾. فالتبين ليس ترفًا فكريًا، بل هو واجب شرعي وأخلاقي يحفظ المجتمعات من الانخداع والتضليل. وفي زمن تتعدد فيه المنصات، وتتسارع فيه الرسائل، وتتنافس فيه الخطابات على جذب الانتباه، يصبح من الضروري أن نميز بين صدق المضمون وبريق الأسلوب، وبين جوهر الفكرة وغلافها اللفظي. فالكلمة قد تُزين، لكن المواقف تكشف. والعبارات قد تُحسن، لكن النتائج تُحاكم. إننا لسنا مدعوين إلى سوء الظن بالناس، ولا إلى الارتياب في كل متحدث، لكننا مدعوون إلى ميزان العدل والعقل. أن نسأل: ما أثر هذا القول؟ ما خلفيته؟ من مصدره؟ ما تاريخه في الصدق أو التضليل؟ فالثقة قيمة عظيمة، لكنها إذا مُنحت بلا وعي تحولت إلى مدخل للاستغلال. ولعل أعظم درس نستحضره من هذه الآية الكريمة أن الحكم لا يكون على جمال القول، بل على صدق الفعل. وأن صلاح المجتمعات لا يُبنى على البلاغة وحدها، بل على الأمانة والاستقامة. وأن المؤمن الحق يجمع بين حسن الظن المشروع، والحذر الواعي، فلا يُخدع بالظاهر، ولا ينجرف خلف كل خطاب مؤثر. فاللسان قد يُعجب، والهيئة قد تُطمئن، والشهر قد يكون مباركًا، لكن معيار النجاة يظل واحدًا: وعيٌ متبصّر، وتثبّتٌ راسخ، وميزانٌ لا يميل إلا للحق.
0





