أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة مسرحًا مفتوحًا لطرح الآراء، ومجالًا واسعًا للتعبير، لكنها في الوقت ذاته تحولت وبكل اسف لدى البعض إلى ساحة لاستعراض أفكار صادمة وغير عقلانية، يطلقها بعض المؤثرين من أطباء أو دعاة أو غيرهم، ليس بدافع القناعة العلمية أو المسؤولية المجتمعية، بل بدافع البحث عن التفاعل السريع والشهرة الخاطفة. فالمعادلة الرقمية اليوم باتت واضحة؛ كلما كان الرأي أكثر إثارة للجدل، زادت فرص انتشاره، بصرف النظر عن عمقه أو سلامته أو منطقيته. فهذا الواقع يعكس تحوّلًا مقلقًا في مفهوم الشهرة، حيث لم تعد في كثير من الأحيان ثمرة قيمة معرفية أو جهد فكري، بقدر ما أصبحت نتاج صدمة إعلامية أو رأي خارج عن المألوف. فالمحتوى المتزن يحتاج وقتًا لبنائه وفهمه، بينما الجدل يختصر الطريق ويمنح صاحبه وهجًا سريعًا، لكنه وهج هش، سرعان ما يخبو مع أول موجة جديدة من الضجيج. ولا يمكن إنكار أن لهذه الظاهرة تأثيرًا مباشرًا على المجتمع، خصوصًا فئة المراهقين والشباب، إذ تسهم بعض الآراء غير العقلانية في تشويش المفاهيم، وإضعاف الثقة بالعلم والتخصص، وخلق حالة من الارتباك المعرفي. ومع ذلك، من المهم التمييز بين رأي غير مألوف مبني على بحث وحجة علمية، وهو أمر صحي ومطلوب لتطور الفكر، وبين رأي صادم يُطرح بلا أساس، ويُقدَّم للجمهور على أنه حقيقة مطلقة، وهنا يكمن الخطر.
إن مواجهة هذا النوع من المحتوى لا تكون عبر المصادرة أو تكميم الأفواه، بل من خلال تعزيز الوعي الإعلامي لدى الجمهور، وتمكين المتخصصين الحقيقيين، وترسيخ ثقافة التحقق قبل التلقي أو النشر. كما أن على المنصات الرقمية مسؤولية أخلاقية في الحد من تضخيم المحتوى المضلل، دون المساس بجوهر حرية التعبير. فحرية الرأي قيمة أساسية، لكنها تقف عند حدود المسؤولية. وتنتهي عندما تتحول إلى تضليل متعمد، أو عندما تُسوَّق الأوهام على أنها حقائق، أو حين يُلحق الرأي ضررًا بالصحة العامة أو السلم المجتمعي. فالفرق كبير بين إبداء الرأي، وبين المتاجرة بالوهم. أما انجذاب الجمهور إلى الآراء الصادمة، فهو سلوك مفهوم نفسيًا؛ إذ يميل الإنسان بطبيعته إلى الغريب والمفاجئ، إضافة إلى ملل البعض من الخطاب التقليدي، ودور الخوارزميات في تضخيم كل ما يثير التفاعل. غير أن هذا الانجذاب غالبًا ما يكون عاطفيًا ومؤقتًا، ولا يعكس بالضرورة اقتناعًا حقيقيًا أو وعيًا ناضجًا.
وفي ظل هذا المشهد، قد يدفع السعي المحموم للشهرة بعض الأفراد إلى التخلي عن قناعاتهم الحقيقية، واستخدام الرأي غير العقلاني كوسيلة للهروب من التهميش أو للشعور بالأهمية، فتتحول القناعة إلى أداة، والرأي إلى سلعة، ويغيب الضمير المهني أمام أرقام المشاهدات. فهذه الظاهرة ليست طارئة، بل هي مرتبطة بطبيعة السوشيال ميديا، وستظل موجودة بأشكال مختلفة، لكن حدتها ستتغير مع ارتفاع وعي الجمهور وتراكم التجارب. فالتاريخ الإعلامي يؤكد أن الضجيج لا يدوم، وأن المحتوى القائم على المصداقية والمعرفة هو الأقدر على البقاء. وفي الختام، تبقى الرسالة الأهم: ليس كل ما يُتداول حقيقة، وليس كل مشهور خبيرًا، وليس كل رأي صادم جديرًا بالمتابعة. احترام العقل، والتحقق من المعلومة، وعدم الانسياق خلف الضجيج، هي مسؤولية مشتركة بين صانع المحتوى والمتلقي، وركيزة أساسية لبناء وعي مجتمعي ناضج في زمن الإعلام المفتوح.
• أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعو






