قال تعالى في سورة يوسف الآية (47):
﴿تزرعون سبع سنين دأبًا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلًا مما تأكلون، ثم يأتي من بعد ذلك عامٌ فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون﴾.
إن هذه القاعدة الاقتصادية المهمة، التي تقوم على توظيف زمن الرخاء لضمان الاستمرار في زمن الشدة، هي قاعدة أصيلة تنظم مناشط الحياة كلها.
وفي إطار التعليم العالي — وأقصد به الجامعات الحكومية والخاصة في بلادنا الغالية — هناك ثلاث حقائق تجعل من استحضار هذه القاعدة الاقتصادية ضرورة وجود وبقاء:
أولها: الارتفاع المستمر في كلفة التعليم العالي.
وثانيها: تزايد أعداد الطلاب والطالبات الملتحقين بالمؤسسات التعليمية العليا (الجامعات والمعاهد والكليات).
وثالثها: تزاحم المشاريع التنموية في المملكة.
كل هذه الحقائق تجعل ميزانية المؤسسات التعليمية العليا التي تقدمها الدولة عرضة للتذبذب. ويجب أن نعي أن مسؤولية الدولة عن كل قطاعات التنمية واحدة، ولا بد من الموازنة بينها.
إضافة إلى ذلك، فإن الدورات الاقتصادية لا تخلو من مراحل ركود، قد تضطر عندها الدول إلى وضع خطط تقشفية تكون — في كثير من الأحيان — على حساب بعض أحلام المستقبل.
والأهم أن ندرك حقيقة أن للأجيال القادمة علينا حقًا، ولا يجوز أن ننسى في لحظات الرخاء الآنية أن ثمة أجيالًا قادمة قد تجيء في ظروف أصعب من ظروفنا، وفي واقع أقسى من واقعنا، ومن واجبنا أن تكون خطواتنا اليوم حريصة على توفير مستقبل لائق بهم.
والأكثر أهمية أن السباق المعرفي قد تتجاوز تكاليفه ما ترصده الدولة — رغم سخائه — حيث شهدت السنوات الخمس الأخيرة استمرارًا في توجيه مخصصات مالية ضخمة لدعم برامج التعليم، بلغت في عدة سنوات أكثر من 200 مليار ريال سعودي، في ظل التركيز على التحول الرقمي وتأهيل الكوادر البشرية، في حين بلغت القيمة السوقية لوقف جامعة ستانفورد الأمريكية حوالي 37.6 مليار دولار، وهو المصدر الرئيس لتمويل أنشطتها البحثية والتعليمية.
ومن الواضح أن على جامعاتنا أن تتحرك في إطار التمويلات البديلة، وأن تبدأ في البحث عن موارد غير حكومية تُرقّي حاضرها وتؤمّن مستقبلها بإذن الله.
ومما يجعل تحرك جامعاتنا متاحًا أننا نعيش عصر الاقتصاد المعرفي؛ فقد قدّر تقرير سابق صادر عن الأمم المتحدة أن اقتصاد المعرفة يستأثر بأكثر من 7% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وينمو بنسبة 10% سنويًا. ونحن نعي أن الجامعات هي المحضن الطبيعي للمعرفة والأفكار الإبداعية وبراءات الاختراع التي تتحول إلى منتجات يتم تسويقها.
والسؤال: هل تستطيع الجامعات وحدها أن تنجح في هذا الميدان؟ وهل يمكنها أن تحقق طموحاتها التمويلية من خارج ميزانية الدولة إذا لم يقف معها الآخرون؟
في رؤيتي الشخصية، الجامعات أشبه ما تكون بمصانع لإنتاج المعرفة، والمصنع إذا فقد إمدادات الطاقة والمواد الخام تعطل عن العمل، وهذه الإمدادات إنما تأتي من رجال الأعمال والشركات والأفراد الذين يُعدّون أول المستفيدين من نتاج حراكها العلمي؛ لذلك فإن من الواجب على كل قادر أن يسهم بماله وجهده وفكره.



