المقالات

الردّ على رسالة المستقبل: حين يصبح الإنسان أوّلا

في مقالٍ سابق توقّفت معكم عند رقمٍ مقلق بسبب تراجع المواليد في المملكة إلى أقل من ثلث ما كان عليه قبل أربعة عقود، وختمت بسؤالٍ معلّق في الهواء: أيّ ردٍّ سنكتب على هذه الرسالة التي يبعثها المستقبل إلى حاضرنا؟ والسؤال لا يُجاب عنه بمزيد من الأرقام، بل بإعادة النظر في الفلسفة التي بنيت عليها التنمية عالميا من أساسها.
فقد اعتدنا أن نقيس التقدّم بالأبراج التي ترتفع، والطرق التي تُشقّ، والمؤشرات الاقتصادية التي تصعد. وكلّها إنجازات حقيقية لا يُنكرها إلا جاحد. لكنها تبقى بنياناً يُشاد فوق أرض، وتلك الأرض هي الإنسان. فحين ننشغل بتعلية البنيان وننسى أن نتعهّد الأرض التي يقوم عليها، نوشك أن نكتشف متأخّرين أننا بنينا على رملٍ متحرّك. والتنمية التي تُراكم المنجزات بينما يتآكل أساسها البشري تشبه نخلة تُثقلها الثمار بينما ينخر السوسُ جذعها بينما تبدو في أوج عطائها وهي على شفا السقوط.

وكلفة إهمال هذا الأساس لا تظهر فوراً، بل تتراكم بصمتٍ عبر العقود حتى تنفجر دفعةً واحدة. فالمجتمع الذي لا يجدّد أجياله يشيخ تدريجياً، فتتراجع قواه المنتجة، وتنهك أنظمته الاجتماعية، ويفقد حيويته وقدرته على الابتكار. وحين تتنبّه الأمم إلى الخطر تكون قد قطعت شوطاً يصعب الرجوع عنه، إذ تكتشف أن عكس المسار الديموغرافي أصعب بكثير من الوقاية منه. ولذلك فإن الردّ الحكيم هو الذي يسبق الأزمة لا الذي يلحق بها.
ومن هنا تنبثق فكرةٌ بسيطة في صياغتها، عميقة في أثرها هي أن يكون الإنسان أوّل المشاريع لا آخرها، وأن يكون بناؤه هو المشروع الذي تُبنى عليه سائر المشاريع. التنمية الحقيقية ليست أن نزيد الناتج المحلي فحسب، بل أن نبني مجتمعاً قادراً على أن يُجدّد نفسه، يُنجب أجيالاً ويُربّيها على القيم والمعرفة والمسؤولية. فالأمم لا تُصنع في المصانع ولا تُشيّد في المكاتب، بل تُصنع في البيوت، حيث يتشكّل الوعي الأول وتُغرس البذور التي تثمر بعد عقود. والطفل الذي يكبر في بيتٍ يحتضنه ويغرس فيه المعنى، هو وحده رأس المال الذي لا يفقد قيمته مع الزمن، بل تتضاعف.
وثمة صورةٌ قديمة تختصر هذا المعنى كلّه تتمثل بالنهر الذي يسقي قريته القريبة أوّلاً قبل أن يمضي إلى ما وراءها. فالنهر الذي يتجاوز أرضه القريبة ليلاحق البعيد يترك خلفه عطشاً لا يداويه بُعدُ المدى. وكذلك المجتمع الذي تنشغل تنميته بالأرقام البعيدة عن بيته القريب يجد نفسه بعد حين قد أنجز كل شيء إلا الأهمّ، وبنى كل شيء إلا الأساس. والبيت هو القرية القريبة، والأسرة هي الأرض التي ينبغي أن تُروى أولاً.
وحين نضع الإنسان في هذا الموضع، تتغيّر نظرتنا إلى الأسرة جذرياً. فهي لم تعد شأناً خاصاً يُترك لظروف الأفراد، بل بنيةً تحتية وطنية تستحق ما تستحقه الطرق والموانئ من تخطيط واستثمار وحماية. والاعتراف بالأمومة عملاً تنموياً، ودعم الأسرة الناشئة، وتمكين المرأة من أن تجمع بين عطائها المهني وحضورها الأسري دون أن تُجبر على التضحية بأحدهما، كلّها ليست رفاهية اجتماعية، بل استثمار في رأس المال الذي لا تقوم تنمية بدونه. على أن هذا العبء لا تحمله المرأة وحدها، فبناء الأسرة شراكةٌ يحضر فيها الأب بدوره كاملاً، ويُسندها مجتمعٌ يجعل من رعاية الجيل القادم مسؤولية جماعية لا حِملاً فردياً.
والمملكة، التي أثبتت في العقد الأخير أنها قادرة على تحقيق ما كان يُظنّ مستحيلاً، أمام فرصة تاريخية لتقدّم للعالم نموذجاً تنموياً من طرازٍ جديد، نموذجاً لا يفصل بين الازدهار الاقتصادي واستدامة الإنسان، بل يجعل الأول ثمرةً للثاني. نموذجاً يقول إن أعظم ما يمكن أن تبنيه أمّةٌ ليس ناطحات السحاب، بل الإنسان الذي يسكنها ويحمل قيمها إلى الغد.
هذا هو الردّ الذي يليق برسالة المستقبل ، ألّا ننتظر حتى تتحوّل الأرقام إلى أزمة لا رجعة فيها، بل أن نُعيد اليوم ترتيب أولوياتنا فنضع الإنسان في صدارتها. فالأمم التي تُحسن قراءة المستقبل لا تكتفي بأن تُنجب أجيالاً، بل تصون البيت الذي يصنعها. وفي قادم المقالات تفصيلٌ أوسع لهذه الرؤية، وكيف يمكن لفكرة ” الإنسان أوّلاً ” أن تتحوّل من شعارٍ إلى منهجٍ عملي، ومن أطروحةٍ فكرية إلى حكايةٍ إنسانية تُروى.

د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري

وزير الثقافة و الإعلام السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى