في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإعلامي السعودي، لم تعد الدراما مجرد مساحة للترفيه، بل تحولت إلى أداة ثقافية واقتصادية تعكس نضج الصناعة وتداخلها مع مسارات التنمية الوطنية. ويأتي مسلسل «شارع الأعشى» بوصفه نموذجًا لهذا التحول، حيث يجمع بين السرد الإنساني العميق والوظيفة الاتصالية المؤثرة، في سياق يتقاطع مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 الداعمة لتنمية الصناعات الثقافية وتعزيز الاقتصاد الإبداعي.
يعتمد العمل على بناء اجتماعي هادئ يعيد مركزية الإنسان في السرد، مبتعدًا عن إيقاع الإثارة السريعة، ومقتربًا من القيم الاجتماعية التي تشكل الذاكرة الجمعية. ومن منظور نظريات الاتصال، يمكن قراءة المسلسل في إطار «التفاعل الرمزي»، حيث تُبنى المعاني عبر العلاقات اليومية والحوارات والتفاصيل الصغيرة داخل الحارة، فتتحول البيئة الدرامية إلى فضاء اتصالي يعكس الهوية والانتماء ويعيد إنتاج القيم المشتركة.
كما يتقاطع العمل مع «نظرية الغرس الثقافي»، إذ إن التعرض المتكرر لمحتوى يركز على التماسك الاجتماعي والتكافل يعزز لدى الجمهور تصورات إيجابية عن المجتمع وهويته. هذا التأثير التراكمي لا يتوقف عند حدود الشاشة، بل يمتد إلى تشكيل وعي ثقافي طويل المدى يعزز الاستقرار الاجتماعي ويعيد الاعتبار للروابط الإنسانية.
ومن زاوية «الاستخدامات والإشباعات»، يبدو أن الجمهور يتجه إلى هذا النوع من الدراما بحثًا عن إشباع حاجات الهوية والانتماء والاستقرار النفسي في زمن التحولات السريعة. فالعمل لا يقدم مجرد قصة، بل تجربة شعورية تستعيد معاني البساطة والتواصل الاجتماعي، وهو ما يفسر تفاعل الجمهور مع إيقاعه الهادئ مقارنة بأعمال تعتمد على التصعيد السريع.
أما في سياق «ترتيب الأولويات»، فيعيد المسلسل توجيه الاهتمام من الإثارة اللحظية إلى القيم الاجتماعية، ويجعل من العلاقات الإنسانية محورًا للنقاش العام، في وقت أصبحت فيه المنافسة على جذب الانتباه تحكم جزءًا كبيرًا من صناعة المحتوى. ويعكس ذلك تحولًا في فلسفة الإنتاج، يمكن قراءته أيضًا في إطار «حارس البوابة»، حيث تشير اختيارات المحتوى إلى نضج مؤسسي في صناعة الدراما السعودية، بات يوازن بين الجدوى التجارية والرسالة الثقافية.
اقتصاديًا، يمثل هذا النموذج أحد تجليات الاقتصاد الإبداعي الذي تسعى المملكة إلى تعزيزه، إذ تسهم الأعمال الدرامية المحلية في خلق سلاسل قيمة تشمل الإنتاج والتوزيع والتسويق والتوظيف، إضافة إلى دعم المحتوى المحلي وتعزيز القوة الناعمة. كما أن تنامي الاستثمار في الإنتاج الدرامي يعكس إدراكًا متزايدًا لدور الصناعات الثقافية في تنويع مصادر الدخل وتحفيز الاقتصاد المعرفي.
وتتقاطع هذه الديناميكية مع مستهدفات رؤية 2030 التي تركز على رفع مساهمة القطاع الثقافي في الناتج المحلي، وتحسين جودة الحياة، ودعم المواهب الوطنية. فالدراما هنا ليست منتجًا معزولًا، بل جزء من منظومة اقتصادية وثقافية أوسع تسعى إلى بناء صورة متكاملة للمجتمع السعودي المعاصر.
في المحصلة، يكشف «شارع الأعشى» عن تحول في وظيفة الدراما من اقتصاد الانتباه إلى اقتصاد المعنى، حيث تصبح القيمة الاتصالية للعمل مرتبطة بقدرته على إنتاج سرد إنساني يعزز الهوية ويعيد تشكيل الوعي الاجتماعي. وهو مسار يعكس نضج الصناعة الإعلامية السعودية، ويؤكد أن الاستثمار في المحتوى المحلي ليس خيارًا ثقافيًا فحسب، بل رافعة اقتصادية واستراتيجية ضمن مسار التحول الوطني






