المقالات

السعودية… عندما تُختبر القيادة يظهر وزن الدولة

في اللحظات التي تتعرض فيها المناطق لهزّات كبرى، لا تُقاس الدول بخطاباتها بقدر ما تُقاس بقدرتها على الفعل. وفي خضمّ التصعيد الذي تعرفه المنطقة، جاء الاتصال الهاتفي المباشر والفوري الذي أجراه سمو ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع قادة دول الخليج منذ اليوم الأول للعدوان ليحمل رسالة سياسية واضحة: كافة الإمكانات السعودية مسخرة لدول الخليج الشقيقة. لم يكن ذلك تصريحا بروتوكوليا عابرا، بل إعلانا صريحا عن موقع المملكة العربية السعودية في معادلة الأمن الخليجي.
فالمملكة، بحكم ثقلها السياسي والاقتصادي ومكانتها الاستراتيجية، لم تتعامل مع الأزمة بوصفها شأنا خارجيا أو تطورا بعيدا عنها، بل بوصفها تحديا يمسّ أمن الخليج بأسره. لذلك سارعت إلى وضع إمكاناتها اللوجستية في خدمة أشقائها، سواء عبر تأمين الاحتياجات الأساسية من الغذاء والدواء، أو عبر فتح موانئها ومطاراتها أمام حركة الإمدادات والتنسيق. وهي خطوة تتجاوز بعدها الإنساني المباشر لتؤكد حقيقة أعمق: أن الرياض تنظر إلى الخليج باعتباره فضاءً أمنيا واحدا لا يتجزأ.
إن ما تقوم به المملكة اليوم ليس مجرد مبادرة تضامن فقط ، بل تعبير عن رؤية استراتيجية راسخة تعتبر أن استقرار الخليج مسؤولية جماعية، وأن الدولة الأكبر في هذا الفضاء مطالبة بتحمل النصيب الأكبر من هذه المسؤولية.لذلك تبدو السعودية، في مثل هذه اللحظات الدقيقة، كأنها تتحرك من موقع الدولة التي تدرك أن قوتها ليست فقط في مواردها، بل في قدرتها على تحويل هذه الموارد إلى شبكة أمان إقليمية تحمي استقرار المنطقة.
لقد أثبتت التجارب أن الأزمات هي اللحظة التي تتكشف فيها الأدوار الحقيقية للدول. فهناك دول تكتفي بالمراقبة، وأخرى تنشغل بحساباتها الضيقة، بينما تختار دول قليلة أن تتحمل عبء القيادة والسعودية تنتمي بوضوح إلى هذا الصنف الأخير،فهي عندما تفتح موانئها ومطاراتها لدول الخليج، لا تفتح مجرد منافذ لوجستية، بل تفتح أيضا أفقا سياسيا يؤكد أن التضامن الخليجي ليس شعارا دبلوماسيا، بل بنية واقعية تقودها المملكة بثقلها وقدرتها على المبادرة.
ومن هنا تأتي دلالة الرسالة التي حملها اتصال ولي العهد بقادة الخليج. فهي رسالة طمأنة، ورسالة تؤكد أن الأمن في هذه المنطقة لا يمكن أن يُدار بمنطق التجزئة أو الحسابات الضيقة. فالأمن الخليجي، كما تؤكد الرياض عمليا، هو منظومة مترابطة، وأي خلل في جزء منها ينعكس على الجميع.
بهذا المعنى، تبدو المملكة العربية السعودية اليوم أكثر من مجرد دولة محورية في الخليج .
إنها صمّام الأمان الحقيقي للمنطقة. فحين تضطرب الجغرافيا السياسية وتتعقد الحسابات الدولية، تبقى الرياض قادرة على ترجمة قوتها إلى فعل تضامني يرسخ الاستقرار ويمنح دول الخليج شعورا بأن هناك دولة كبرى تقف خلفها بثقلها وإمكاناتها.
وهكذا، مرة أخرى، تثبت السعودية أن القيادة لا تُعلن في البيانات، بل تُصنع في لحظات الاختبار. وفي كل اختبار جديد، تؤكد المملكة أن مكانتها في الخليج ليست فقط نتاج تاريخ طويل من الحضور السياسي، بل نتيجة دور فعلي يتجدد كلما واجهت المنطقة تحديا جديدا.

حذامي محجوب

صحفية تونسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى