اختتم المنتدى السعودي للإعلام 2026 فعالياته في الرياض بتتويج الفائزين بالجائزة السعودية للإعلام، وبإنجاز عالمي تمثل في دخوله موسوعة غينيس للأرقام القياسية كأكبر حدث إعلامي في العالم من حيث عدد الحضور، في ختام لم يكن مجرد محطة تنظيمية، بل لحظة دلالية كشفت حجم التحول الذي بات يميز الحضور السعودي في المشهد الإعلامي الدولي. فخلف هذا الرقم القياسي، وما يحمله من صدى عالمي، تتجلّى قصة أعمق، تتصل بثقافة الكرم السعودي حين تنتقل من بعدها الاجتماعي التقليدي إلى موقعها كقيمة مُنظِّمة للحدث، ومكوّن أساسي في بناء القوة الناعمة للدولة.
في هذا المنتدى، لم يكن الحضور الكثيف نتيجة حشد عابر، بل انعكاسا لثقة متراكمة، ولم تكن المنصات مساحات خطاب أحادي، بل فضاءات مفتوحة للحوار، تُدار بسخاء في الوقت، وبسعة في الرؤية، وباحترام للاختلاف. في المنتدى السعودي للاعلام يظهر الكرم السعودي في صيغته المعاصرة: كرم التنظيم، وكرم الوقت، وكرم الإصغاء، وكرم الاعتراف بالآخر، وهي عناصر لا تصنع حدثًا ناجحا فحسب، بل تُنتج ذاكرة جماعية إيجابية، وتؤسس لعلاقة طويلة الأمد بين المملكة والعالم.
ومن هذا المنظور، لا يبدو المنتدى مجرد تجمع إعلامي ضخم، بل نموذجا لكيفية تحويل الفعاليات الكبرى إلى مساحات تأثير مستدام، حيث يصبح الحضور الكثيف شهادة على الثقة، لا نتيجة للدعوات، ويغدو التنوع الدولي دليلا على الجاذبية، لا على المجاملة. إن تسجيل هذا الحدث في موسوعة غينيس لا يضيف إلى المملكة بقدر ما يكشف عنها، يكشف عن دولة فهمت أن القوة في عصر الإعلام لا تُمارس بالهيمنة، بل بالاحتواء، وأن الصورة الأقوى هي تلك التي تُبنى بصمت، عبر حسن الاستقبال، وجودة الحوار، واحترام العقول. هكذا خرج المنتدى السعودي للإعلام من دائرة المناسبة إلى فضاء الدلالة، مؤكّدا أن الكرم، حين يُدار كرؤية دولة، لا يبقى قيمة أخلاقية فقط، بل يتحول إلى سياسة حضور، وإلى لغة عالمية تفهمها العواصم كما يفهمها الضيوف، وإلى قوة ناعمة لا تحتاج إلى ترويج، لأن أثرها يسبق خطابها.
في النهاية، لا يبقى من المنتديات عدد جلساتها، ولا من الأرقام صداها المؤقت، بل تبقى تلك المشاعر الخفية التي يغادر بها الضيوف المكان، إحساسهم بأنهم كانوا موضع ترحيب لا ترتيب، وشركاء لا عابرين. هناك، في هذا التفصيل غير المرئي، يتجلى الكرم السعودي في أعمق معانيه، لا بوصفه تقليدا اجتماعيا ، بل بوصفه أسلوب حضور، يترك أثره في الذاكرة قبل العناوين، ويمنح المملكة صورة تُروى بهدوء، لكنها تُصدَّق طويلًا.






