«خلف الخطوط»
كانت إيران دائما تراقب الحروب من خلف الزجاج؛ تُديرها عن بُعد، وتتحكم بإيقاعها عبر وكلاء ينتشرون في خرائط عربية متفرقة. لكن الزجاج تحطّم. فصوت الانفجارات الذي كان يأتي من بعيد، صار هذه المرة يعلو فوق أسطح طهران نفسها. ومع كل ضربة تُصيب منشأة أو قائدا، يتكشف مشهد جديد: حرب الوكلاء لم تعد درعا، بل بوابة واسعة دخلت منها النيران إلى الداخل.
في صباح مختلف عن كل صباح إيراني عادي، استيقظت مدن الداخل على أصوات الانفجارات لا على أخبارها. لسنوات طويلة، كان الإيرانيون يشاهدون النار وهي تلتهم أحياء في بغداد وصنعاء وغزة وبيروت، بينما تبقى شوارع طهران وأصفهان وتبريز بعيدة عن لهيب الحرب المباشرة. اليوم تبدّل المشهد؛ الحرب التي اعتادت إيران إدارتها من وراء الستار عبر حلفاء ووكلاء في دول الجوار، أصبحت تطرق أبوابها هي هذه المرة، ومعها تتساقط أسماء من الصفين السياسي والعسكري تباعا، في مشهد يُشعر الإيرانيين لأول مرة أن كلفة الصراع تُدفع من قلب هرم السلطة لا من هوامشه.
وبالنسبة للمنطقة، لم يعد السؤال: أين يضرب الوكلاء؟ بل: إلى أين يمكن أن يأخذ هذا التحول الشرق الأوسط بأكمله؟
منذ نهاية الحرب العراقية–الإيرانية، اعتمدت طهران استراتيجية القتال خارج الحدود، وبنت شبكة واسعة من الميليشيات المتحالفة معها في عواصم عربية متعددة. في لبنان برز حزب الله كذراع عسكرية وسياسية، وفي العراق تشكلت مجموعات مسلحة تدين بالولاء لطهران أكثر مما تدين لعواصمها، وفي اليمن ظهر الحوثيون كقوة قلبت معادلة الداخل وأثرت في أمن البحر الأحمر والخليج، وفي غزة تمددت أذرع أخرى تتغذى من الخطاب ذاته.
كانت الفكرة بسيطة: أن يخوض الوكلاء المواجهة بينما تبقى إيران في منطقة أمان نسبي داخل حدودها، تحافظ فيها على مصانع التسليح وبنى الطاقة ومراكز القيادة بعيدا عن مرمى النيران.
لكن مع تصاعد التوترات الأخيرة، تغيّر المشهد جذريا. الضربات التي استهدفت مواقع حساسة في العمق الإيراني لم تعد مجرد رسائل عسكرية، بل سلسلة هجمات أصابت مصانع الصواريخ والمسيّرات، واستهدفت شبكات الطاقة والاتصالات، وأطاحت بقادة ميدانيين وسياسيين طالما قُدّموا كرموز لصلابة النظام.
في البداية حاولت طهران الإيحاء بأن شيئا لم يتغير، فاستمر الخطاب التعبوي وبيانات عن الرد في المكان والزمان المناسبين، وتحريك محدود لبعض الجبهات عبر الوكلاء. لكن مع اتساع نطاق الضربات ووضوح حجم الخسائر، بدأ السؤال يفرض نفسه داخل إيران: هل ما زالت استراتيجية الوكلاء تحمي البلاد، أم أنها باتت هي التي تجلب النار إلى الداخل وتستنزف ما تبقى من قدراتها؟
على الجانب الآخر، تحرك الوكلاء كلٌّ بطريقته. بعض الجبهات اشتعلت سريعا بصواريخ ومسيّرات وتهديدات تطال الملاحة والمنشآت الحيوية، وأخرى بدت أكثر حذرا، توازن بين واجب الرد وبين حسابات داخلية لا تحتمل حربا شاملة. ومع تراكم الضربات على إيران، ظهر بوضوح أن منظومة الوكلاء ليست كتلة واحدة منضبطة، بل تشكيلات لها جمهورها وبيئتها ومصالحها الخاصة، وأن استعدادها للتضحية عندما تكون الدولة الراعية نفسها تحت النار ليس مطلقا ولا مضمونا.
وهذا كشف هشاشة الصورة التي لطالما رُسمت عن محور واحد يتحرك بإشارة مركزية من طهران، خصوصا مع تراجع قدرة إيران على توفير مستوى الدعم المالي والامدادي والعسكري ذاته في ظل مصانع مدمرة واقتصاد مثقل بالعقوبات وكلفة الحرب.
وفي الوقت ذاته، تتعرض عناصر القوة الوطنية الإيرانية للاهتزاز والتدمير, فالبنى التحتية التي كانت تغذي برنامج الصواريخ والمسيّرات أصبحت أهدافا معلنة، وشبكات الطاقة والاتصالات تحت ضغط مستمر، بينما يرزح الاقتصاد تحت عقوبات متجددة وتكاليف أمنية متصاعدة. وعلى المستوى الاجتماعي، يتزايد الاحتقان مع كل يوم تنقطع فيه الخدمات أو تتقلص فرص العمل، ومع كل خبر عن اغتيال قائد جديد أو تدمير منشأة حيوية، بما يطرح تساؤلات صعبة داخل الشارع الإيراني حول جدوى استمرار نهج الحروب البعيدة إذا كان ثمنها يُدفع اليوم داخل البيت.
وسط هذا المشهد، تراقب المنطقة برمتها، من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر، كيف تُعاد صياغة قواعد الاشتباك. فدول الإقليم تقرأ في كل ضربة على العمق الإيراني مؤشرا مهما: خصم كان يُنظر إليه طويلا كطرف صعب الكسر، يبدو اليوم أكثر انكشافا وحساسية لأي ضغوط منسقة تستهدف شبكاته ووكلاءه.
هذا التحول فتح المجال أمام تجربة جديدة؛ تراجع ملموس في قدرة إيران على التحريض على مواجهات واسعة في أكثر من جبهة، وفرص لتهدئة متفاوتة في ساحات متفجرة منذ سنوات. لكن في المقابل، يظل خطر الانزلاق في موجة متأخرة من التصعيد واردا، خصوصا إذا رأت طهران أنّ تعويض الخسائر في الداخل يتطلب عميات ومشاغلة أكبر في الخارج.
بين الضغط والدبلوماسية، تتحرك قوى المنطقة في مسار مختلف عن السنوات الماضية؛ فبدل الاستنزاف في ساحات متعددة تحت شعار الحروب بالوكالة، تجد نفسها أمام فرصة لاختبار صيغة جديدة من الأمن الجماعي تقوم على رفع تكلفة التصعيد وتقليص مساحة المناورة أمام الميليشيات.
ويبقى السؤال الجوهري: هل تُستغل هذه اللحظة لترسيخ حدود واضحة لنفوذ السلاح غير الحكومي، أم تُهدر في جولة جديدة من المفاوضات الشكلية التي تعيد إنتاج الأزمة بوجوه مختلفة؟
قد تنتهي هذه الجولة، وقد تهدأ الجبهات قليلا، لكن أثرها سيبقى طويلا. فإيران التي اعتادت أن تُشعل الحرائق من بعيد، وجدت نفسها هذه المرة وسط الدخان. وإذا كان سقوط “درع الوكلاء” قد كشف هشاشة كانت مخفية، فإن الشرق الأوسط يقف الآن أمام سؤال أكبر: هل يتغير المسار أخيرا، أم تعود العجلة إلى الدوران في الحلقة ذاتها، بوجوه جديدة ونيران قديمة؟


