«خلف الخطوط»
لم تعد التحديات التي تواجه الجمهورية الإسلامية في إيران محصورة في الضغوط الخارجية أو المواجهات الإقليمية، بل باتت تنبع من داخل المجتمع نفسه، وتحديداً من جيل شاب لم يعش الثورة، ولم يتشرّب سرديتها، ولا يرى في رموزها مرجعية سياسية أو دينية مُلزمة. هذا الجيل، المولود بمعظمه بعد عام 2000، تحوّل إلى كتلة حرجة صامتة انتقلت تدريجياً من الاحتجاج إلى الرفض البنيوي لأيديولوجيا النظام.
خطورة هذا الجيل أنه غير قابل للاحتواء بالقمع التقليدي: فهو غير مرئي بالكامل، ولا يمكن تفكيكه عبر الاعتقالات أو الرقابة الأمنية. وكلما اشتد القمع، اتسعت رقعة الرفض، وتحوّل من حالات فردية إلى وعي جمعي متراكم.
ما يجري في إيران ليس مجرد دورات احتجاجية متكررة، بل تحوّل عميق في الوعي يهدد الأسس الفكرية التي قام عليها النظام منذ 1979، والمبنية على مبدأ ولاية الفقيه. الفجوة بين الدولة والمجتمع لم تعد سياسية فقط، بل أصبحت فجوة حضارية وثقافية بين جيل الثورة الذي يحكم، وجيل جديد بلا ذاكرة ثورية، نشأ في عالم مختلف جذرياً عن عالم آبائه.
هذا الجيل لم يعش عهد الشاه، ولا صدمة الثورة، ولا سنوات الحرب مع العراق التي شكّلت ركيزة شرعية النظام. بل تشكّل وعيه في ظل العولمة الرقمية والانفتاح المعلوماتي والاحتكاك المستمر بقيم وثقافات خارج الإطار الرسمي. لذلك لا يحمل ولاءً سياسياً للنظام، ولا يرى في ولاية الفقيه نموذجاً ملزماً، بل سلطة مفروضة.
أدوات التعبئة التقليدية – من الخطاب الديني إلى استدعاء التهديدات الخارجية – فقدت فعاليتها. بل تحوّلت إلى مادة للتشكيك والسخرية لدى الشباب، وهو ما يظهر في أنماط الحياة اليومية: من اللباس إلى اللغة، ومن الموسيقى إلى أشكال التفاعل الاجتماعي.
في احتجاجات 2009 كانت المطالب إصلاحية. أما في 2019 وما بعدها، فقد تجاوزت المطالب الإصلاح إلى رفض شامل للنظام. وبلغ التحول ذروته عام 2022 بعد وفاة (مهسا أميني) نتيجة العنف، حيث استُهدف المرشد الأعلى مباشرة في هذه المطالبات، في انتقال واضح من الاحتجاج السياسي إلى التمرد الثقافي، فلم يعد الصراع على السياسات، بل على هوية الدولة، والشباب الإيراني اليوم لا يطالب بإصلاح الجمهورية الإسلامية، بل يتساءل عن جدوى استمرارها أصلاً.
وقد واجهت الدولة هذا التحول بالأدوات التقليدية، من القمع الأمني والرقابة الإعلامية والدعاية الأيديولوجية. لكنها أدوات فقدت فعاليتها أمام جيل رقمي يتقن الالتفاف على القيود، ويملك منصاته الخاصة لإنتاج المعرفة وتداولها. فقد فقدت وسائل الإعلام الرسمية مصداقيتها، وأصبح الفضاء الرقمي ساحة للتنظيم وبناء الشبكات وتشكيل الوعي. ومع كل محاولة لحجب الإنترنت، تتعزز قناعة الشباب بأن الدولة تخفي الحقيقة ولا تحميها.
إيران تعيش اليوم أزمة شرعية مركّبة: سياسية واقتصادية وثقافية. فالعقوبات وسوء الإدارة أدّيا إلى تدهور المعيشة وارتفاع البطالة، لكن العامل الاقتصادي وحده لا يفسر الرفض المتصاعد. فهناك شعور عميق بالاغتراب الثقافي في دولة تفرض نموذجاً مغلقاً، ومجتمع يعيش في عالم مفتوح. وهذه المفارقة تخلق توتراً دائماً لا يمكن حله بأدوات القمع الأمنية.
أمام هذا الواقع، تبدو القيادة الإيرانية عالقة في معادلة صعبة، فالقمع وحده لا يكفي، والتنازلات قد تُفسَّر ضعفاً للدولة. لذلك تلجأ إلى إدارة الأزمة وليس حلّها، عبر مزيج من القمع المحدود والانفتاح التكتيكي دون المساس بجوهر النظام. لكن هذا النهج غير قابل للاستدامة في ظل التحولات العميقة في بنية المجتمع، وكلما تأخر النظام في التكيف، اتسعت الفجوة مع الجيل الجديد، وازدادت احتمالات الانفجار سواء عبر صدمة مفاجئة أو تآكل تدريجي في الشرعية.
ختاماً..
يقف إرث المرشد الأعلى ومنظومة الحكم أمام اختبار تاريخي. فالتحدي لم يعد مواجهة خصوم سياسيين، بل التعامل مع جيل كامل لا يؤمن بأسس النظام. وهذه ليست أزمة حكم، بل أزمة معنى. وفي معركة المعنى، لا تكفي القوة، ولا تنجح الدعاية إذا لم تخاطب الواقع الذي يعيشه الناس.
إيران اليوم دولة تتحدث بلغة الماضي، بينما يعيش شبابها في زمن آخر. وبين هذين الزمنين تتسع فجوة قد تكون العامل الحاسم في مستقبل الجمهورية الإسلامية.






