«خلف الخطوط»
تواجه الميليشيات من لبنان إلى العراق واليمن اختبار بقاء السلاح النوعي تحت ضغوط داخلية وإقليمية متصاعدة.
ولم تعد قضية الميليشيات في لبنان والعراق واليمن محصورة في السؤال التقليدي حول شرعية وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة، بل انتقلت إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بنوع هذا السلاح وحدود بقائه في السنوات المقبلة، فخلال العقدين الماضيين، لم تعُد هذه الجماعات تُقاس بعدد عناصرها أو حجم انتشارها الاجتماعي والطائفي العَقَدي فقط، بل بطبيعة المخزون الذي تمتلكه من الصواريخ بمختلف فئاتها ومدباتها والطائرات المسيّرة، ومنظومات الدفاع الجوي بمختلف انواعها، وشبكات القيادة والسيطرة التي تجعلها أحياناً في موقع يتفوّق على القوات النظامية للدولة التي يتواجدون على اراضيها من حيث القدرة على التعطيل والضغط.
هذا التحول لم يكن مجرد تطور تقني معزول، بل جزءاً من مرحلة إقليمية تحولت فيها الميليشيات إلى أدوات ردع بالوكالة، واستنزاف، وتعطيل لمسارات التسوية، وإحداث الازمات، وفرض وقائع ميدانية تتجاوز حدود الدولة الوطنية. وفي قلب هذه المعادلة برز العامل الإيراني بوصفه المؤثر الأهم في بناء هذا النمط من الوكلاء المسلحين وتسليحهم وتطويرهم. فقد اعتمدت ايران عبر سنوات طويلة على إنشاء شبكات نفوذ غير مباشرة في العالم العربي من خلال قوى محلية تدين لها بالولاء العَقدي والسياسي، وتستفيد من خبراتها وتدريبها وتسليحها وتمويلها، بما يسمح لها بتوسيع نفوذها الإقليمي من دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة عالية الكلفة على أراضيها. وبهذا المعنى، فإن الميليشيات في لبنان والعراق واليمن لم تكن مجرد ظواهر محلية نشأت في فراغ، بل أصبحت وبدرجات متفاوتة، جزءاً من هندسة إيرانية أوسع وظفت التسليح النوعي كأداة لإعادة تشكيل توازنات القوة في الشرق الاوسط.
غير أن المشهد الإقليمي الراهن يوحي بأن هذه المعادلة بدأت تواجه اختبارات قاسية. فهناك تشدبد متزايد في مراقبة خطوط الإمداد والتهريب، وتصاعد في الضربات الاستباقية التي تستهدف مخازن السلاح والبنى اللوجستية الامدادية لهذه الميليشيات، واهتمام دولي أكبر بأمن الممرات البحرية وحركة الطاقة والتجارة، وهو ما يجعل وصول السلاح والاحتفاظ به أكثر صعوبة وكلفة من السابق. وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن السؤال الواقعي لم يعُد: هل ستبقى هذه الميليشيات أم ستختفي؟ بل تحوّل الى: هل ستتمكن من الاحتفاظ بالنوع نفسه من السلاح الذي مكّنها في السابق من فرض معادلات ردع وضغط عابرة للحدود؟
لفترة طويلة انشغل الخطاب السياسي والإعلامي في المنطقة بفكرة نزع السلاح من حيث المبدأ، وبالسؤال عن إمكانية بناء دولة وطنية قوية في ظل ازدواجية السلاح وتعدد مراكز القوى. إلا أن التجربة أظهرت أن هذا الشعار رغم وجاهته السياسية يصطدم بتقاطعات داخلية وخارجية كثيرة تجعل تحقيقه الكامل أمراً بالغ الصعوبة في المدى المنظور. لذلك بدأ النقاش يتحول تدريجيا من سؤال الوجود إلى سؤال النوع. فهناك فرق كبير بين ميليشيا تمتلك أسلحة خفيفة ومتوسطة ينحصر تأثيرها غالباً داخل إطار صراع داخلي، وبين ميليشيا تمتلك صواريخ وطائرات مسيّرة بعيدة المدى ومنظومات دفاع جوي قادرة على تعطيل مطارات وموانئ وتهديد أمن دول أخرى. وفي الحالة الثانية لا تعود الميليشيات مجرد طرف محلي، بل تتحول إلى لاعب إقليمي تتجاوز قوته حجمه الداخلي الفعلي، وتصبح ترسانته مصدر تهديد وقلق دائم للدولة ولدول الجوار والاقليم وللقوى الدولية المعنية باستقرار الإقليم.
ومن زاوية عسكرية وسياسية، فإن الفارق بين الاحتفاظ بأسلحة وقذائف قصيرة المدى، وبين امتلاك صواريخ ومسيّرات متطورة، هو الفارق بين قوة تأثير محلية وبين قوة ذات أثر إقليمي. فالسلاح النوعي هو الذي يرفع كلفة المواجهة، ويمنح صاحبه قدرة على فرض شروطه على طاولة التفاوض، ويحوّله من فاعل داخلي إلى ورقة في معادلات الأمن الإقليمي. ولهذا تحديداً استثمرت إيران طوال سنوات في نقل الخبرة والسلاح النوعي إلى وكلائها في لبنان والعراق واليمن، لأنها تدرك أن القيمة الحقيقية لهذه الميليشيات لا تتوقف على عدد عناصرها، بل على نوع السلاح الذي تحمله وقدرته على ردع الخصوم وتعطيلهم وابتزازهم عند الحاجة. ولذلك فإن تراجع نوع السلاح لا يعني فقط انخفاض القدرة النارية، بل يعني أيضاً انكماش الدور السياسي والإقليمي الذي بُني أساساً على فائض القوة هذا.
لبنان
في لبنان تظهر أزمة النوع بصورة لافتة. فالمشكلة لم تعد مجرد وجود سلاح خارج مؤسسات الدولة، بل في تراكم ترسانة ثقيلة في يد حزب الله تضم صواريخ ومسيّرات وقدرات أخرى جعلت قرار الحرب والسلم في البلاد مرتهناً بمعادلات تتجاوز الحسابات اللبنانية الداخلية. وحزب الله يشكل النموذج الأقدم والأوضح لوكيل مسلح ربطته طهران بمنظومة دعم وتسليح وتدريب متواصلة، وحولته إلى أداة رئيسة في استراتيجيتها لردع خصومها وفتح ساحات ضغط خارج حدودها. ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وتعثر أي أفق حقيقي للإصلاح من دون دعم عربي ودولي، أصبح ملف السلاح جزءاً من النقاش حول مستقبل لبنان نفسه، لا مجرد ملف أمني منفصل.
ولم يعد الحديث مقتصراً على شعار نزع السلاح بالكامل، وهو هدف يدرك الجميع صعوبته في المدى القصير، بل بدأ يتجه نحو فكرة أكثر عملية تتعلق بتحجيم نوعية السلاح ووظيفة استخدامه. وهذا يعني أن الضغوط المقبلة قد تتركز على السلاح الذي يغيّر التوازنات، مثل الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة ومنظومات الدفاع الجوي، أكثر من تركّزها على السلاح الخفيف الذي يضمن بقاء التنظيم وهيكله. وأي مسار جاد لإعادة إعمار لبنان أو تعزيز استقراره سيصطدم حتما بسؤال عن مصير مخزون الأسلحة الثقيلة التي تسمح بالتصعيد الإقليمي من الأرض اللبنانية؟
وفي حال جرى التوصل يوماً ما إلى تفاهمات تقلص حجم هذا السلاح أو تحد من تواجده وتأثيره، فلن تختفي الميليشيات في اليوم التالي، لكنها ستجد نفسها مضطرة إلى إعادة تعريف دورها وحجمها داخلياً وإقليمياً في ظل قدرة نارية أقل مما تعودت عليه. كما أن المجتمع اللبناني الذي عاش سنوات من الانهيار أصبح أكثر حساسية تجاه كلفة استمرار السلاح النوعي بلا سقف، مما جعل التحدي ليس فقط بين الدولة والسلاح، بل بين مجتمع يبحث عن الأمن والتعافي وبين سلاح ثقيل يربط البلد بصراعات أوسع من قدرته على الاحتمال.
العراق
في العراق تبدو الصورة أكثر تعقيداً، لأن المسألة لا تتعلق بميليشيا واحدة، بل بطيف واسع من الفصائل ذات الخلفيات والولاءات المختلفة، بعضها اندمج شكلياً في أُطر رسمية، وبعضها احتفظ بهامش مستقل من القرار. لكن القاسم المشترك أن السلاح النوعي، من صواريخ ومسيّرات وغيرها، منح هذه الفصائل قدرة على لعب أدوار تتجاوز وزنها السياسي داخل الدولة. وكما في التجربة اللبنانية، فإن جزءاً مهماً من هذه الفصائل تشَكًل وتسَلًح ونَما في إطار مشروع إيراني أوسع يقوم على بناء شبكة من الأذرع المحلية القادرة على التأثير في قرار الدولة العراقية، واستخدام السلاح النوعي كورقة تفاوض وضغط عند الحاجة.
لقد مكّن هذا السلاح بعض الفصائل من التحول إلى قوة ضغط داخلي وخارجي، فأصبح بإمكانها التأثير في تموضع العراق بين المحاور، واستخدام قدرتها الصاروخية أو المسيّرة كورقة في الرسائل الإقليمية. غير أن هذا المكسب قد يتحول إلى عبء ثقيل في المرحلة المقبلة، لأن وجود ترسانة نوعية خارج السيطرة الكاملة للدولة يضع العراق أمام معادلة صعبة في علاقتها مع محيطها العربي ومع القوى الدولية، ويرفع كلفة استمرار هذا الواقع أمنياً وسياسياً واقتصادياً. كما أن الشارع العراقي أظهر في أكثر من محطة تذمراً واضحاً من السلاح المنفلت وبفكرة وجود الدولة الموازية داخل العراق، حتى وإن لم تتمكن المؤسسات بعد من ترجمة هذا المزاج الشعبي إلى قرارات حاسمة.
ومن هنا قد يكون السيناريو الأكثر واقعية في العراق ليس تفكيك هذه الفصائل دفعة واحدة، بل دخولها في تسويات تقبل من خلالها بسقف أدنى من التسليح النوعي، مقابل الاحتفاظ بجزء من مكاسبها السياسية والمؤسسية. وعند هذه النقطة يتحول السؤال عن امكانية حلّ هذه الفصائل؟، إلى سؤال أدق وأكثر أهمية وهو: من يملك قرار استخدام الصواريخ والمسيّرات؟ ومن يحدد قواعد الاشتباك؟ وإلى متى يمكن لهذه الترسانة أن تظل خارج نطاق الضبط الكامل من دون أن تدفع الدولة العراقية ثمناً إضافياً من استقرارها وعلاقاتها الإقليمية؟
اليمن
في اليمن تقدم الحالة الحوثية نموذجاً واضحاً لكيف يمكن لسلاح نوعي منخفض الكلفة نسبياً أن يتحول إلى مصدر قوة استراتيجي. فقد انتقلت ميليشيات الحوثي من إطار محلي محدود إلى فاعل يمتلك صواريخ ومسيّرات قادرة على تجاوز الجغرافيا اليمنية، وتهديد الممرات البحرية وأمن الطاقة، وإرسال رسائل تتجاوز سياق الصراع الداخلي. وهذا التحول لم يكن ممكناً دون دعم خارجي منظم كان لإيران فيه دور محوري على مستوى نقل التكنولوجيا وتوفير الخبرات ومسارات الإمداد، مما جعل ميليشيا الحوثي جزءاً من شبكة أوسع لوكلاء ايران في المنطقة.
هذه القدرات لم تكن مجرد أدوات قتال في الجبهات، بل أصبحت ورقة تفاوض أساسية في يد الحوثيين، تستخدم في الضغط وفي تحسين شروطهم في أي مسار سياسي. غير أن استمرار هذا النمط من القوة مرهون باستمرار خطوط الإمداد، وتوافر الخبرة الفنية، وقدرة هذه الميليشيات على حماية البنية التحتية التي يعتمد عليها تشغيل هذا السلاح. ومع تشديد الرقابة على البحر والجو، وتطور قدرات الدفاع الجوي والاستخبارات والمراقبة، يصبح الاحتفاظ بسلاح نوعي عالي التأثير أكثر صعوبة. وفي أي تسوية سياسية جادة للأزمة اليمنية، سيكون ملف الصواريخ والمسيّرات من أعقد الملفات المطروحة، سواء من حيث حجم ما يمكن قبوله، أو من حيث آليات الضبط والرقابة والضمانات.
ومن المرجح أن يشهد اليمن، إذا اتجه نحو تسوية، صورة مبكرة لأزمة النوع المتمثلة في بقاء الحوثيين لاعبا داخلياً مهماً، مع تراجع تدريجي في قدرتهم على امتلاك واستخدام سلاح بعيد المدى أو عالي الدقة أو له أثر عابر للحدود. ولن يكون النقاش عندئذ حول بقاء الجماعة من عدمه، بل حول نوع السلاح الذي ستحتفظ به، وحدود تأثيره داخل الجغرافيا اليمنية وخارجها، ومدى قدرتها على الاستمرار كذراع إقليمية لإيران بنفس السقف الذي عملت به في السنوات الماضية.
في ما وراء هذه الساحات الثلاث، يظل العامل الإيراني حاضراً بقوة في قراءة مستقبل نزع السلاح عند الميليشيات. فجزء معتبر من هذه الترسانات ارتبط تسليحاً وتدريباً وتطويراً وتوجيهاً بشبكات دعم تقودها ايران أو تدور في فلكها، ضمن استراتيجية هدفت إلى بناء نفوذ منخفض الكُلفة وعالي الأثر عبر وكلاء محليين قادرين على التحرك حيث لا ترغب إيران في الانخراط المباشر. واليوم تواجه هذه الشبكات بيئة أكثر تعقيداً، من رقابة مشددة على طرق الإمداد، وضغط دولي متزايد على استخدام الصواريخ والمسيّرات في تهديد الملاحة والأمن الإقليمي، وتوسّع في استخدام الضربات الاستباقية ضد مخازن السلاح والبنية التحتية للميليشيات. وهذا كله لا يعني أن الدعم سيتوقف فجأة، لكنه يشير بوضوح إلى أن الحفاظ على المستوى نفسه من التسليح النوعي، من حيث الجودة والكم لن يكون بالسهولة التي كان عليها في السابق.
وفي ضوء ذلك يمكن الحديث عن احتمال دخول هذه الميليشيات في مرحلة انكماش نوعي، لا تختفي فيها الظاهرة المسلحة بالكامل، لكنها تفقد جزءاً من قوتها النارية المتطورة. والميليشيات التي تفقد ترسانتها النوعية تفقد معها جزءاً من قدرتها على الردع، ومن وزنها التفاوضي في الداخل والخارج، حتى لو بقيت من حيث التنظيم والوجود المسلح. لذلك تبدو السيناريوهات المستقبلية أقرب إلى خليط من بقاء الميليشيات مع تراجع نوع السلاح، ومحاولات دمج بعضها في هياكل الدولة، وتسويات تضع قيوداً على المدى والدقة ونوعية المنظومات الأخطر.
ختاماً ..
المؤشرات لا تبشِّر بنهاية سريعة لظاهرة الميليشيات في الشرق الأوسط، لكنها توحي بوضوح بأن عصر المخزون والترسانة الثقيلة المفتوحة بلا قيود يقترب من مرحلة اختبار حقيقية. فالميليشيات قد تبقى، لكن السؤال الحاسم هو: بأي سلاح؟ وبأي مدى؟ وتحت أي سقف سياسي وقانوني؟ وفي خبرة الصراعات الحديثة لا يكفي عدد الأسلحة لتقدير الخطر، بل لا بد من قياس المدى والتأثير والدقة والأثر السياسي. وعلى هذا الأساس تحديداً تبدو معركة السنوات المقبلة في لبنان والعراق واليمن أقرب إلى معركة على نوع السلاح منها إلى مجرد صراع على عدد المسلحين، كما تبدو في الوقت نفسه اختباراً لقدرة إيران على الحفاظ على شبكة وكلائها المسلحين بالمستوى نفسه الذي اعتمدت عليها طوال سنوات.






