المقالات

بكري عساس الذي عرفته

عرفتُ معالي البروفيسور بكري عساس في مرحلةٍ من أهم مراحل العمل العام في العاصمة المقدسة “مكة المكرمة” شرفها الله وحفظها، يوم كان مديرًا لجامعة أم القرى، وكنتُ أنا عضوًا في التوجيه والإرشاد بالحرمين الشريفين، فيما كان معاليه يتولى في الوقت نفسه رئاسة لجنة الإشراف على مشاريع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز – غفر الله له ورحمه – في الحرمين الشريفين، وذلك في الفترة نفسها تقريبًا. وكانت تلك المرحلة كاشفةً عن رجلٍ استثنائي في حضوره، هادئٍ في طبعه، رصينٍ في تعامله، قريبٍ من الناس، واسعِ الصدر، لا يفرض احترامه بالمنصب، بل يكتسبه بخلقه وسمته وتواضعه.

ومنذ ذلك الحين، بقيت صورته في ذهني صورةَ مسؤولٍ يعرف معنى الخدمة العامة، ويؤمن أن المواقع ليست غايةً في ذاتها، بل وسيلةٌ لتحقيق الخير والنفع والصالح العام. كان صديقًا للجميع وأخاهم، يجمع ولا يفرّق، ويقرّب ولا يبعّد، ويمنح من حوله شعورًا بالألفة والثقة والاطمئنان. ولم أذكر عنه يومًا أنه ردّ لي شيئًا يخص الصالح العام أو الشأن الديني حسب النظام، بل كانت مواقفه وسجاياه أبلغ من كل قول، وأصدق من كل وصف.

وقد لمستُ فيه صفاتٍ نادرة؛ من حسن الإصغاء، وصدق النية، ونقاء السريرة، والحرص على أن يكون العمل في خدمة الإنسان والمعنى معًا. كان إذا حضر أحسن الحضور، وإذا باشر أمرًا أظهر جديةً ومسؤولية، وإذا تحدث خرج حديثه موزونًا خاليًا من التكلف، مشبعًا بروح الحكمة والاتزان. ولذلك لم يبق في الذاكرة مجرد مسؤولٍ شغل منصبًا، بل رجلًا ترك أثرًا، وأودع في نفوس من عرفوه احترامًا لا يزول.

كما أن حضوره في جامعة أم القرى وفي المشهد المؤسسي المرتبط بالحرمين الشريفين لم يكن حضورًا إداريًا فحسب، بل كان حضورًا له أثره العلمي والإنساني والاجتماعي. وكان مما يلفت فيه أنه يوازن بين الوقار واللطف، وبين الحزم واللين، وبين المسؤولية والانفتاح على الناس. وهذه خصالٌ لا تجتمع كثيرًا في شخصٍ واحد، لكنها كانت جزءًا أصيلًا من شخصيته.

ورأيت معاليه يولي العلماء مكانتهم التي تليق بهم، ويعرف لهم قدرهم حقَّ المعرفة، فيكرمهم، ويقدّر حضورهم، ويُحسن الاستماع إليهم، ويعاملهم بما يليق بمقام العلم وأهله. لم يكن ينظر إليهم بمنطق المجاملة، بل بمنطق الوفاء للعلم، والاعتراف بفضله، والإيمان بدوره في بناء الوعي وصون القيم. وكان إذا حضر العلماء قدّر إضافتهم، وأصاب أقدارهم حقها، ورفع من شأنهم بما يليق بما يحملونه من علمٍ ورسالة، فكان بذلك منصفًا للعلم وأهله، وفاهمًا لمكانتهم، ومؤمنًا بأن الأمة لا تنهض إلا بعلمائها، ولا تستقيم إلا بإجلالهم وحفظ مقاماتهم.

ومن المواقف التي لا تُنسى أن ندوةً لمجمع الفقه الإسلامي العالمي برابطة العالم الإسلامي أُقيمت في رحاب الجامعة في عام 1435هـ، وكانت باستضافة شخصية من معاليه، وحضرها معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، رئيس هيئة علماء المسلمين آنذاك، معالي الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي حفظه الله، وفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور علي بن عباس بن عثمان الحكمي حفظه الله، عضو هيئة كبار العلماء حينها، وعضو المجمع الفقهي الإسلامي العالمي بالرابطة، والمدرس بالمسجد الحرام آنذاك، إلى جانب جمعٍ كريم من أصحاب الفضيلة العلماء وأعضاء الإفتاء بالحرمين الشريفين والمناطق.

وكان يجلّهم حق إجلالهم، ويقدّرهم حق قدرهم، ويحفظ لهم مكانتهم، ويكرمهم بما يليق بمقامهم العلمي والدعوي. وكان يصطحبهم بنفسه إلى أماكن الجلوس، وإلى منصة التكريم، ثم ينزل من المنصة لاستقبالهم وتوديعهم عند ختام الندوة، في مشهدٍ يعكس تواضعه، ووفاءه، وحسن خلقه، وأدبه الرفيع مع أهل العلم.

ولم يكن تقديره للعلماء موقفًا بروتوكوليًا عابرًا، بل كان سلوكًا أصيلًا يعبّر عن إيمانه العميق بمكانة العلم وأهله، وعن معرفته بفضلهم ودورهم في بناء الوعي وصيانة القيم. وعلى مائدة الغداء كان يشرف على خدمتهم بنفسه، ويتودد إليهم بالكلمات الطيبة، ويذكر العلماء الأفاضل الذين درّسوه في دراسته النظامية، وما كان لهم عليه من فضل، وذلك كله بتواضعٍ جم، وخلقٍ رفيع، ووفاءٍ نادرٍ للأساتذة والمشايخ وأهل العلم.

ومن المواقف التي بقيت راسخة في الذاكرة أن أحد المحاضرين الوافدين على نظام التعاقد من جنسية عربية، وكان باحثًا للدكتوراه في الجامعة في نفس الوقت، واجه مشكلةً إدارية، فطلب إليّ الشفاعة عند معالي البروفيسور بكري عساس حين كان مدير الجامعة آنذاك. فتواصلتُ مع معاليه وحددتُ موعدًا للقائه، وحضرتُ برفقة صاحب الحاجة، فاستقبلنا بأحسن استقبال وأكرم استقبال، وأصغى إلى الموضوع بكل رحابة صدر وتفهم. ووعد خيرًا في بادئ الأمر، فلما تحقّق من تفاصيل القضية، اتضح له أن الأمر مخالفٌ للنظام، فبلغني بعد ذلك بلطفٍ وخصوصية، وقال ما معناه: اسمح لي، فقد أفهمني الأخ بطريقة مغايرة، والصحيح أن ما حدث منه كان مخالفة للنظام، وعلى إثره أُنهي التعاقد معه والقيد الجامعي، فلا أستطيع أن أفعل ما يخالف النظام، فأنا مؤتمن أمام الله جل وعلا، ثم أمام ولاة الأمر في هذه البلاد الطيبة الحبيبة.

وقد كان هذا الموقف عندي من أعظم ما يُكبر فيه الرجل؛ إذ رأيت فيه الأمانة، والإنصاف، والالتزام، والورع المؤسسي، والصدق مع الله ثم مع الناس. فلم يمنعه لطفه في الاستقبال، ولا سماحته في الحوار، ولا رغبته في قضاء الحاجة إن أمكن، من أن يقف عند حدود الحق والنظام، مقدّمًا الأمانة على المجاملة، والعدل على العاطفة، والواجب على أي اعتبار آخر. إن مثل هذا الموقف لا يزيد الرجل إلا رفعةً في النفس، لأنه يكشف عن شخصيةٍ تعرف قدر المسؤولية، وتزن الأمور بميزان الشرع والنظام معًا، وتؤمن أن المنصب أمانة لا مجال فيها للمحاباة أو الاستثناء.

وإذا ذُكر معالي البروفيسور بكري عساس، ذُكر معه معنى الرجل الذي جمع بين العلم والعمل، وبين المكانة والتواضع، وبين المسؤولية وخدمة الناس. فهو من أولئك الذين لا يُقاس أثرهم بما تولوا من مناصب فقط، بل بما تركوه من محبةٍ في القلوب، وتقديرٍ في النفوس، وسيرةٍ طيبةٍ بقيت شاهدةً عليهم. لقد عرفته رجلًا كريم النفس، واسع الأفق، صادق الصلة بالناس، حريصًا على الصالح العام، قريبًا من الشأن الديني، مشهودًا له بالخلق الرفيع، والبذل الهادئ، والحضور الذي يطمئن إليه من عرفه.

عبدالعزيز الموسى

عضو التوجيه والإرشاد بالمسجد الحرام والمسجد النبوي سابقًا

تعليق واحد

  1. ألأستاذ الفاضل عبدالعزيز الموسى عضو هيئة الإرشاد والتوجيه بالمسجد الحرام والمسجد النبوى ماقاله فى معالى الأخ البروفيسور د. بكرى عساس لم يبالغ فيه فهو شخصيه تستحق كل التقدير القائم على الإعجاب بشخصيه غير عاديه فى تخصصه الأكاديمى وفى إدارته للجامعه وفى تعامله مع مرؤسيه بكافة مستوياتهم.. ولي معه مواقف كثيره وقد زاملته مدرسا فى إحدى مدارس المرحله المتوسطه فى مكه المكرمه وعندما عملت مديراعاما لإحدى الجمعيات الخيرية بمكه المكرمه أيضا كيف كان حريصا على تقديم يد المساعده لأبناء وبنات ممن كانوا من ذوى الحاجه من الجمعيه وقد أرسلت له الشفاعة فى بعض الحالات فلم يتأخر طالما لا يخالف نظام القبول جزاه الله خير الجزاء على ذلك وأكثر من ذلك .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى