المقالات

الكتاب وصناعة الوعي الإنساني: من التراث إلى التحول الرقمي

في الثالث والعشرين من أبريل من كل عام، يعود العالم للاحتفاء بالكتاب بوصفه أحد أعمدة الحضارة الإنسانية، في مناسبةٍ أقرتها اليونسكو تحت عنوان: “اليوم العالمي للكتاب وحقوق النشر”. غير أن هذا الاحتفاء، في جوهره، ليس طقسًا رمزيًا عابرًا، بل استدعاءٌ لمعنى أعمق: أن الكتاب لم يكن يومًا مجرد وسيلة للمعرفة، بل كان – ولا يزال – الوعاء الذي حفظ للإنسان ذاكرته، وصان خبرته، ووسّع أفقه، ومكّنه من تجاوز حدود الزمان والمكان.

لقد أدركت الثقافة العربية مبكرًا هذه الحقيقة، فجعلت من الكتاب قرينًا للعقل، ورفيقًا للروح، وصاحبًا لا يُستغنى عنه. ويكفي أن نستحضر بيت أبو الطيب المتنبي الشهير:
أَعَزُّ مَكانٍ في الدُّنى سَرْجُ سابِحٍ .. وَخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كِتابُ
لنلمس كيف ارتقى الكتاب في الوعي العربي إلى منزلة الجليس الذي لا يُملّ، والصاحب الذي لا يخون.

ولم يكن هذا التقدير مجرد نزعةٍ أدبية، بل كان امتدادًا لممارسة علمية راسخة عبر التاريخ؛ إذ تشكّلت حول الكتاب منظومة معرفية كاملة، كان قوامها التلقي العميق، والمراجعة، والتحقيق، والرحلة في طلب المعرفة. ومن أبرز تجليات ذلك مؤسسات العلم الكبرى مثل “بيت الحكمة” في بغداد، حيث لم يكن الكتاب مادةً للقراءة فحسب، بل أداةً لإعادة تشكيل الوعي الإنساني عبر الترجمة والتأليف والتداول الحضاري.

وفي العصر الحديث، ظلّ هذا التصور العميق للقراءة حاضرًا في كتابات عدد من العلماء، ومن أبرزهم محمد بن محمد أبو موسى، الفائز بجائزة الملك فيصل العالمية في خدمة الإسلام هذا العام ٢٠٢٦م، الذي يذهب إلى أن القراءة ليست جمعًا للمعرفة، بل معاناة للنص، واشتباكٌ مع طبقاته الدلالية والبلاغية، بحيث يتحول القارئ من متلقٍّ إلى شريك في إنتاج المعنى. فالكتاب الحقيقي لا يُعطي أسراره بسهولة، بل يمنحها لمن يصبر عليه ويتأمله ويعاوده القراءة.

وإذا كان هذا اليوم العالمي يذكّرنا بقيمة الكتاب، فإنه يضعنا أيضًا أمام سؤالٍ أخلاقي ومعرفي: كيف نصون حقّ الإبداع في زمنٍ تتكاثر فيه النسخ وتضعف فيه الحدود؟ فحماية حقوق النشر ليست إجراءً تقنيًا، بل اعترافٌ بأن المعرفة فعلٌ إنساني يستحق الاحترام، وأن الكاتب شريك في بناء الوعي لا مجرد منتجٍ للنصوص.

وفي هذا السياق، وضعت اليونسكو مجموعة من المرتكزات التي تجعل من هذا اليوم مشروعًا ثقافيًا مستدامًا لا مجرد احتفال سنوي؛ إذ تسعى إلى تعزيز ثقافة القراءة، وتوسيع الوصول إلى الكتاب، وحماية حقوق المؤلفين، ودعم صناعة النشر في تحولاتها الرقمية، وربط الكتاب بأهداف التنمية، مع تشجيع الترجمة بوصفها جسرًا حضاريًا بين الثقافات، إلى جانب مبادرة “عاصمة الكتاب العالمية” التي تحتفي بالمدن النشطة ثقافيًا في هذا المجال.

وفي السياق الوطني، يبرز حضور الكتاب ضمن مشروع حضاري أوسع تقوده رؤية المملكة العربية السعودية ٢٠٣٠، التي جعلت من بناء الإنسان وتنمية وعيه محورًا أساسيًا للتنمية. وقد انعكس ذلك في حراك ثقافي متصاعد، من أبرز ملامحه معرض الرياض الدولي للكتاب، الذي تحوّل من معرض للكتب إلى منصة للحوار المعرفي وتبادل الأفكار، إلى جانب تطوير المكتبات العامة بوصفها فضاءات ثقافية حيّة.

ولا يقف هذا التحول عند حدود المؤسسات، بل يمتد إلى حيوية المشهد الثقافي نفسه؛ إذ برز جيلٌ من الكتّاب السعوديين في الرواية والفكر والدراسات، استطاع أن ينقل التجربة المحلية إلى فضاء عربي ودولي أوسع، فيما أصبح القارئ السعودي أكثر حضورًا وفاعلية، لا يكتفي بالاستهلاك، بل يشارك في النقاش، ويؤثر في الذائقة العامة عبر النوادي القرائية والمنصات الرقمية والفعاليات الثقافية. هكذا يتشكّل اليوم وعيٌ جديد، يقوم على الشراكة بين الكاتب والقارئ، لا على العلاقة الأحادية التقليدية.

وفي هذا الإطار، يكتسب مشروع “كرسي الكتاب العربي” في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية دلالة خاصة؛ فهو لا يكتفي بالاحتفاء بالكتاب، بل يتعامل معه بوصفه موضوعًا للبحث العلمي. إنه برنامج أكاديمي يدرس الكتاب العربي في تحولاته التاريخية: من المخطوط إلى المطبوع إلى الرقمي، ويحلل سياقات إنتاجه وتداوله وتأثيره الثقافي، مستفيدًا من المخزون المعرفي الكبير للمركز. وبذلك ينتقل الكتاب من كونه نصًا يُقرأ إلى كونه ظاهرة تُفهم وتُحلل وتُبنى حولها المعرفة، في إعادة صياغة لعلاقة ثلاثية: كاتب يُنتج، وقارئ يتفاعل، ومؤسسة تُؤطر وتُعمّق الفهم.

وفي قلب هذا المشهد المتحوّل، لا يمكن إغفال أثر التحول الرقمي الذي أعاد تشكيل علاقة الإنسان بالكتاب؛ إذ لم يعد حبيس الرفوف، بل صار حاضرًا في الشاشات والمنصات، يوسّع دائرة الوصول ويغيّر أنماط القراءة. ومع ذلك، يبقى جوهر التجربة القرائية ثابتًا: التفاعل العميق مع النص، لا المرور السريع عليه.

وربما تختصر صورةٌ بسيطة هذا المعنى كله: طفلٌ يدخل مكتبة للمرة الأولى، يتردد لحظة أمام رفوف الكتب، ثم يمد يده إلى كتابٍ لا يعرفه، ليبدأ منه طريقًا لم يكن يتخيله. هنا فقط يبدأ فعل القراءة الحقيقي؛ لا بوصفه تعليمًا، بل اكتشافًا للعالم وإعادة اكتشاف للذات.

إن هذا التلاقي بين البعد العالمي الذي تمثله اليونسكو، والبعد الوطني الذي تجسده رؤية المملكة العربية السعودية ٢٠٣٠، يكشف أن الكتاب ما زال في قلب أي مشروع تنموي جاد؛ إذ لا نهضة بلا وعي، ولا وعي بلا قراءة، ولا قراءة بلا كتاب.

في زمنٍ تتزاحم فيه الشاشات وتتسارع فيه المعلومات، قد يبدو الكتاب أقل حضورًا، لكنه الأكثر صمودًا. فهو لا يمنحك معلومة عابرة، بل يبني فيك طريقة تفكير، ويعيد تشكيل وعيك بهدوءٍ عميق لا تصنعه السرعة بل التُّؤَدَة والتراكمية.

الأمم التي تقرأ لا تسقط في السطحية…
لكن السؤال الذي لا يهدأ: هل ما زلنا نمنح الكتاب ما يستحقه من وقتنا؟

عبدالعزيز الموسى

عضو التوجيه والإرشاد بالمسجد الحرام والمسجد النبوي سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى