المقالات

الثقافة السعودية… من النخبة إلى الهوية الوطنية

في اعتقادي، لم تتشكل الثقافة السعودية عبر مراحلها – منذ التأسيس عام 1351هـ / 1932م وحتى ما قبل رؤية 2030 وبرنامج التحول الوطني 2020 – بوصفها ثقافة هوية واعية قائمة بذاتها؛ إذ كانت تميل إلى الطابع التقليدي (الشعر، الرواية، المسرح – على استحياء)، إضافة إلى تأثرها بثقافات عربية محيطة انتقل أثرها إلينا.

ولم تكن الثقافة السعودية تُعرف بهوية وطنية مستقلة، بقدر ما كانت تُعرّف بالوطن الذي يحتضنها وبالرموز الثقافية المنتمية إليه. ومع التوسع في التعليم والابتعاث، برز التأثر بالحداثة، تأثرًا أراه – في بعض جوانبه – مفرطًا، نقل إلينا أنماطًا ثقافية من مجتمعات أخرى، حتى بدا المثقف السعودي – في بعض الحالات – مسوّقًا للمنتج الثقافي المستورد، دون إسهام فاعل في بناء هوية ثقافية سعودية أصيلة.

وأُطلق على هذا الخليط وصف “الثقافة السعودية”، رغم أنه – في جوهره – لم يكن كذلك، بل كان أقرب إلى ثقافة نخب، إما تقليدية محافظة، أو حداثية تجديدية، بينما بقيت الثقافة السعودية بلا هوية واضحة، سوى ارتباطها بالمكان وجنسية النخب، وبما يدور في أروقة الجامعات والأندية الأدبية والثقافية، وما تلاها من صالونات ثقافية.

هذا الواقع لم يُنتج ثقافة سعودية شاملة، بل اختُزلت الثقافة في مسارات محددة كالشعر والرواية والقصة، مع إغفال البعد الأوسع للثقافة بوصفها منظومة تشمل المجتمع بكل طبقاته. كما أُقصيت الثقافة الشعبية بأشكالها المختلفة، وظهر تقسيم مؤسسي فصل بين الأندية الأدبية والجمعيات الثقافية والفنية، رغم أن الثقافة في جوهرها كيان جامع لا يتجزأ.

اليوم، ومع التحول الذي تشهده المملكة العربية السعودية، نقف أمام لحظة مفصلية في تاريخ الثقافة الوطنية؛ لحظة انتقال من ثنائية (التقليدية والحداثة) – التي أسهمت في تشكيل تصورات متباينة لدى المتلقي – إلى ثقافة سعودية بهوية واضحة، أصبحت مشروعًا وطنيًا يُعاد تشكيله.

وقد أفرز هذا التحول حضورًا ثقافيًا متنوعًا يعكس هوية المملكة، وتحولت الثقافة إلى قوة ناعمة، وإحدى أدوات بناء الإنسان السعودي في مرحلته الجديدة والمستقبلية.

إن الثقافة حين تتحول إلى منتج وطني، تصبح مشروعًا استراتيجيًا قادرًا على تشكيل صورتها، وصناعة خطابها، وترسيخ حضورها محليًا وعالميًا. وهي لا ينبغي أن تبقى شأنًا نخبوياً معزولًا، بل جزءًا من الهم الوطني، تتقاطع فيه مع السياسة والتنمية والمعرفة والتعليم، من العام إلى العالي.

وفي هذا السياق، تلتقي ثقافة النخب مع الثقافة الشعبية، ليُبنى جيل يحمل هذه الرسالة الثقافية بهوية سعودية، ينقلها للأجيال القادمة، ويطوّرها بما يواكب تحولات الزمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى