من المسلمات التاريخية والاجتماعية التي لا تقبل الجدل، هو ذلك التعايش المتجذر بين المذهبين الإسلاميين (السنة والشيعة)؛ فالعالم الإسلامي شهد لقرون حالة من الانصهار، بل إن الكثير من القبائل العربية الكبرى تضم بين جنباتها أبناء المذهبين، وجمعت بينهم أواصر المصاهرة والدم والعيش المشترك. فالمذهبان في جوهرهما يجتمعان تحت مظلة أركان الإسلام الخمسة، وما وجد من فروق فقهية فمرجعها للاجتهاد والدليل، وهو سياق طبيعي في تاريخ الأديان والمذاهب.
لكن، أين تكمن المشكلة اليوم؟
إن المتأمل في المشهد الراهن يدرك أن الأزمة ليست دينية ولا فقهية، بل هي “نزعة شر” يتم تمريرها بغلاف “الخير” والحرص على الدين. تكمن المشكلة الحقيقية في التعصب القومي الفارسي وفكر التمدد التوسعي، الذي لم يجد سبيلاً لاختراق الجسد العربي إلا بتوظيف المذهبية الطائفية، وتزوير حقيقتها، وتسيس الاختلافات التاريخية التي طواها الزمن.
لقد عُمد إلى “تزكية” رموز تاريخية محل إجماع كآل البيت (رضوان الله عليهم) ليس حباً فيهم فحسب، بل لتوظيف رمزيتهم كغطاء أخلاقي لمشاريع سياسية، وفي المقابل الإساءة لرموز إسلامية أخرى لها مكانتها العظيمة. الهدف من هذه المعادلة واضح: إيجاد ثغرات في النسيج الاجتماعي للعالم العربي، وخصوصاً دول الجوار، لخلخلة وحدتها الوطنية وجعل الولاء الطائفي يتقدم على الولاء للوطن.
والأدهى من ذلك، هو ما يُروج له من فكر منحرف – لا يؤمن به العقلاء من العرب أو حتى الفرس – وهو السعي في الأرض فساداً وبث الفوضى تحت ذريعة “تمهيد الطريق لظهور المهدي المنتظر”. إن محاولة “شرعنة” الخراب والفساد وتبريره كضرورة لظهور المخلص، هو قمة العبث بالدين وتشويه لمقاصده التي جاءت لعمارة الأرض لا لهدمها.
إننا أمام مشروع سياسي بعباءة مذهبية، يستخدم العاطفة الدينية كجسر للعبور نحو الهيمنة. ولذا، فإن حماية مجتمعاتنا تبدأ من الوعي بأن الاختلاف الفقهي ثراء، لكن توظيفه لتمزيق الأوطان هو “الشر” الذي يجب أن يتصدى له كل عاقل، حفاظاً على جوهر الإسلام ووحدة المصير العربي.






