المقالات

الشريان صانع الاختلاف وشعبولا الإعلام

ليس من الإنصاف أن نحكم على تجربة داود الشريان بالفشل أو النجاح وفق المعايير التقليدية. لأننا ببساطة أمام تجربة لا تشبه القوالب الجاهزة، ولا تنصاع لقوانين التصنيف المعتادة.
هو لم يكن مجرد اسم عابر في المشهد، بل ظاهرة إعلامية استطاعت أن تصنع حضوراً واسعاً، ربما تجاوز في تأثيره كثيراً من نجوم المنصات الرقمية الحديثة.
لكن قبل أن نصل إلى هذه النتيجة، لا بد أن نضع الأمور في سياقها الصحيح… وأن نفرّق بين مسارين إعلاميين كثيراً ما يتم الخلط بينهما:
وهما المذيع الرسمي كصوت المؤسسة
ومقدم البرامج
فالمذيع هو ابن المهنة الإذاعية والتلفزيونية الصارمة.
يتدرّب على مخارج الحروف ونبرة الصوت والقراءة السليمة لغةً ونحوا كما يتدرّب العازف على أوتاره، ويُبنى صوته طبقة فوق طبقة حتى يصبح أداة دقيقة لنقل الخبر.
المذيع هو الذي يبدأ غالباً من الميدان: مراسلًا بين الناس، في الشارع، في قلب الحدث… ثم يرتقي تدريجياً حتى يصل إلى منصة نشرات الأخبار لاري كنج مثالاً.
أما مقدم البرامج الحوارية، فهو لا يأتي من رحم النشرات، بل من رحم التجربة الشخصية وأوبرا وينفري مثالاً.
مقدم البرامج قد يكون طبيباً مثل زهير السباعي أو رياضياً مثل سامي الجابر أو كاتباً مثل خالد السليمان أو إعلامياً معاصراً مثل عبدالله المديفر أو فناناً مثل بكر الشدي رحمه الله.
هؤلاء لا يعتمدون على اللغة الفصحى الصارمة بقدر ما يعتمدون على القرب من الجمهور، على العفوية، وعلى استخدام اللهجة اليومية التي تُشبه الناس.
هم لا ينقلون الخبر بل يناقشونه، يفسّرونه، وأحياناً يعيدون تشكيله.
هنا تحديداً يظهر داود الشريان كحالة لا تنتمي لأي من المدرستين بشكل كامل.
فهو ليس مذيعاً تقليدياً تدرّج في سلم النشرات،
وليس أيضاً مقدماً لبرامج جاء من تخصص آخر ليجلس خلف الطاولة.
هو أقرب إلى “ناقل للحراك الصحفي” إلى الشاشة.
لقد فعل شيئاً مختلفاً.
أخذ ما كان يُكتب في زوايا الصحف، في مقالات الرأي والتحقيقات،
ثم أعاد صياغته ليصبح مادة مسموعة ومرئية تصل إلى كل بيت.
وهنا يمكن مقارنته بتجارب مشابهة مثل تركي الدخيل مع التباين الشديد فيما بينهما.
فتركي حول جمود ورتابة الثقافة من لغة النخب إلى لغة الناس بموازنة ذكية ارتقت بالناس ولم تنحدر بالمثقفين .
وداود حول لغة الإعلام إلى لغة شعبية غيرت وجه الإعلام ولم ترتق بالناس.
إذا أردنا أن نبحث له عن جذور، فقد نجد خيطاً بعيداً يمتد إلى تجربة اللبناني ميشال قزي( ميشو شو) الذي كسر النمط الجاد في بدايات الفضائيات،
لكن الشريان لم يكتفِ بكسر النمط. بل أعاد بناءه بطريقة جديدة.
ويمكن أن نشبّه هذه الحالة بنماذج فنية خرجت عن التصنيف مثل شعبان عبدالرحيم ( شعبولا) الذي لم يكن طربياً بالمعنى الكلاسيكي، ولا شعبياً خالصاً لكنه صنع لوناً خاصاً به.
أو ممحمد سعد ( اللمبي) التي لم يكن كوميديا تقليدياً، لكنه فرض نفسه كظاهرة.
لذلك، فإن الحكم على تجربة الشريان داود لا ينبغي أن يكون آنياً.
فالنجاح الحقيقي في مثل هذه الحالات لا يُقاس بعدد المشاهدات أو الضجيج الإعلامي، بل بالأثر الذي يتركه في من يأتي بعده.
هل سيتكرر هذا النموذج؟
هل سيؤسس لمدرسة جديدة في الإعلام العربي؟
هل سيُذكر كمرحلة انتقالية بين الصحافة الورقية والإعلام التفاعلي؟
هذه الأسئلة هي التي ستكتب الحكم الحقيقي.
أما الآن، فكل ما نستطيع قوله
أننا أمام تجربة كسرت النمط التقليدي والسائد عما تعارف الناس عليه في ذاكرتهم عن البرامج الإعلامية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى