عامالمقالات

العلوم الإنسانية صمام أمان

هل يمكن أن نتقدم… ونفقد فهمنا لأنفسنا ؟

هل وصلنا إلى لحظةٍ يُقاس فيها كل شيء… إلا الإنسان؟

هل أصبحنا نُتقن إجراء الحسابات بدقة… ونفشل في فهم المعنى؟

في زحمة التحولات المتسارعة، هناك شيء يتراجع بصمت… لا يصرخ ، لا يشتكي ، لا يتذمر، لكنه يختفي تدريجيًا: العلوم الإنسانية.

لا أحد يعلن إقصاءها صراحة، لكن القرارات تتوالى، والتبريرات جاهزة: “السوق لا يحتاج إليها”.

وكأن السؤال الوحيد الذي يستحق الإجابة: هل تُوظّف؟

وليس: هل تُنقذ وعينا؟

العلوم الإنسانية ليست كتبًا تدرس … بل مرآة نرى بها أنفسنا.

هي التي تمنحنا اللغة لنفهم ما نشعر به، والعقل لتشريح ما يحدث حولنا، وهي البصيرة لنفرّق بين الحقيقة والوهم.

فيها نحفظ ذاكرتنا من النسيان، ونقرأ حاضرنا بلا ارتباك، ونفتح للمستقبل بابًا لا تقوده الصدفة… بل الوعي.

لكن ماذا يحدث حين تتراجع؟

لا تسقط الأبراج… ولا تتوقف المصانع.

بل يحدث ما هو أخطر:

يضعف القرار، يضيع التقدير، ونفقد القدرة على التمييز في أكثر اللحظات تعقيدًا.

نبدو أقوى… لكننا من الداخل أقل فهمًا.

قرارات إلغاء تخصصات كـاللغة العربية، والتاريخ، والجغرافيا، وعلم النفس، ليست مجرد “إعادة تنظيم”.

إنها رسالة تحمل ماتحمل ، وتعني ماتعني .

إن الجامعة لم تعد تعرف نفسها على أنها مصنع للوعي… بل على أنها ممر سريع إلى الوظيفة.

لكن… هل هذا هو دور الجامعة فعلًا؟

هل أُنشئيت لتطابق احتياجات السوق فقط؟

أم لتصنع إنسانًا قادرًا على التفكير، لا مجرد موظف قادر على التنفيذ؟

نعم، السوق مهم…

لكن حين يتحول إلى القرار الوحيد، نخسر أكثر مما نكسب.

نخسر هويتنا، ذاكرتنا، قدرتنا على السؤال.

نصبح بارعين في العمل… ضعفاء في الفهم.

والسؤال الذي لا يريد أحد مواجهته:

ماذا لو استمر هذا الطريق؟

سنمتلك أحدث التقنيات… لكن بلا وعي يوجّهها.

سنُنتج أكثر… ونفهم أقل.

سنعيش أسرع ولكننا لن نبرع ، إذ نعيش بلا معنى.

في زمن الفوضى الرقمية، من يعلّمنا التمييز؟

في زمن الخطابات الحادة، من يحمينا من التطرف؟

في زمن القلق والاضطراب، من يفسر النفس ويعيد توازنها؟

الإجابة واحدة… مهما حاول بعضنا تجاهلها:

العلوم الإنسانية …هي صمام أمان.

ليست بديلاً عن التقدم، بل هي شرط لاستمراره دون انحراف.

لكن الحل ليس في البكاء على ما يلغى …

بل في إعادة تقديم هذه العلوم وتقويمها بشكل يليق بزمنها.

أن تتحول إلى دراسات عليا ذكية، تتقاطع مع الذكاء الاصطناعي، والإعلام الرقمي، وصناعة القرار.

بأن نرى تخصصات جديدة: أخلاقيات التقنية، تحليل الخطاب الرقمي، علم النفس الإلكتروني، والدراسات الثقافية العالمية.

بأن تعود قوية… لا حنيناً للماضي، بل كقوة تقود المستقبل.

لأن الحقيقة التي لا تقبل التأويل هي:

إن المجتمعات لا تنهار حين تفتقر للوظائف…بل حين تفقد وعيها.

وفي النهاية…

قد نربح السوق، لكن إن خسرنا الإنسان…فماذا ربحنا أصلًا؟

وقد قيل : إن العلوم الإنسانية هي العلوم ، أما بقية التخصصات فهي مهني وحرف .

فكيف نفرط في العلم ؟

• أستاذ العلاقات العامة والإعلام الرقمي

• كلية الاتصال والإعلام – جامعة الملك عبد العزيز

أ.د مبارك واصل الحازمي

• أستاذ العلاقات العامة والإعلام الرقمي • كلية الاتصال والإعلام - جامعة الملك عبد العزيز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى