المقالات

لكي لا تحترق وظيفياً يا بُني الحقيقي والكفاءة الراسخة

قرأت باهتمام المقال الأخير للدكتورة نسرين الطويرقي في صحيفة مكة الإلكترونية تحت عنوان “رسالة إلى المجتهد المظلوم”، والذي وجهت فيه بوصلة النصح لأخواتها وبناتها اللاتي يعملن بصمت ودون تقدير. وفي غمرة قراءتي لتلك الحروف الملامسة للواقع، قفز إلى ذهني أبناؤنا من الشباب، أولئك الذين يتدفقون طاقةً ومنهجية، ويسعون بكل شغف لترجمة طموحات هذا الوطن، لكنهم يصطدمون أحياناً بجدار صلب من غياب التقدير من بعض القيادات في مؤسساتنا وشركاتنا.

إن أشد ما يؤلم في بيئات العمل اليوم هو ذلك الاصطدام الحتمي بين شخص مهني يملك الرؤية والقدرة على تحقيق مستهدفات المنظومة، وبين فئة “المتسلقين المتلقين” الذين يتقنون فن إرضاء المسؤول وتلقي الأوامر دون فهم عميق؛ مما يولد خللاً هيكلياً ينتهي بتدمير العمل المؤسسي وإفساده. ولكي لا تحترق وظيفياً يا بُني في أتون هذه المعركة الصامتة، دعنا نفكك هذه المعضلة لنعرف كيف تقرأها وتتجاوزها.

تبدأ الأزمة دائماً من فخ يقع فيه بعض المسؤولين، وهو فخ الانحياز لمعادلة الولاء المريح على حساب الكفاءة المزعجة. فالمتسلق متلقٍّ وموافق دائم، لا يناقش ولا يطرح أسئلة صعبة، بل يُشعر المسؤول بالراحة والسيطرة الكاملة. في المقابل، فإن ابن المنظومة الحقيقي والمختص قد يبدو في نظرهم “مزعجاً”؛ لأنه يواجه بالحقائق، ويقترح حلولاً تتطلب جهداً وتغييراً، إذ يهمه نجاح العمل وبناء الأثر أكثر من مجرد إرضاء الأشخاص.

هذا التقديم للمتسلقين والرهان عليهم لا يمر بسلام، بل يحدث ما يُعرف في الفكر الإداري بـ”تأثير الفراشة العكسي”، الذي يفسد العمل المؤسسي برمته، حيث يتسبب في تطفيش الكفاءات الحقيقية، ويصيب المخلصين بالإحباط والاحتراق الوظيفي، مما يدفعهم إلى الاستقالة أو الانكفاء وتبني عقلية “الحد الأدنى من الجهد”. ولأن المتسلق لا يعلم أصلاً ما يتوجب عليه فعله، فإنه يعتمد على القرارات الارتجالية لتغطية نقص معرفته، ليتحول العمل تدريجياً من منظومة محوكمة تسير وفق استراتيجيات واضحة، إلى “شللية” ضيقة تتمحور حول إرضاء القيادة وتغطية الإخفاقات.

ولكن السؤال الجوهري الذي يجب أن نطرحه: كيف يتجاوز المختصون هذه الأزمة؟

إذا كنت يا بُني تعيش هذا الواقع الصعب داخل منظومتك، فإن حماية نفسك ومهنيتك تتطلب استراتيجيات ذكية؛ أولاها أن تتحدث دائماً بلغة الأرقام والمستندات. فالمتسلق يبرع في الكلام الشفهي وهندسة العلاقات، وكسر هذه القوة لا يكون إلا بتوثيق عملك، وتقديم تقارير رصينة مبنية على بيانات صلبة يصعب التشكيك فيها أو تزييفها.

وثاني هذه الاستراتيجيات أن تربط جهدك ومقترحاتك مباشرة بتوجهات المنظومة العليا ورؤيتها الكبرى، سواء كانت وزارة أو قطاعاً أو شركة، تلك الرؤية التي يخشى المسؤول نفسه إهمالها أو الفشل في تحقيقها. حينها، يصعب على المتسلقين اعتراض طريقك دون أن يبدوا في مظهر المعطلين لأهداف المنظومة الاستراتيجية.

وتذكر يا بُني أخيراً أن الكفاءة وحدها في عالم اليوم قد لا تكفي إذا كانت معزولة في الظل؛ فلا بد لك من إجادة مهارة “تسويق عملك” وامتلاك أدوات التواصل الذكي، لتضمن أن يرى المسؤول نجاحك وعطاءك رأي العين، دون أن يمر جهدك عبر “فلتر” المتسلقين الذين يجيدون سرقة الضوء وتجيير النجاحات لأنفسهم، والتلميح إلى أنك سبب الفشل.

ختاماً يا بُني، إن الرهان على المتسلقين رهان خاسر، سرعان ما يتهاوى عند أول اختبار حقيقي أو مستهدف استراتيجي صارم؛ فاحرص على ألا تطفئ هذه العثرات العابرة جذوة شغفك، وكُن الرقم الصعب الذي لا يمكن الاستغناء عنه، فالمناصب تزول، والمسؤولون يتغيرون، ولا يبقى في ميدان الإنجاز إلا أصحاب الأثر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى