هل تُبنى الدول بالخطط… أم بعقولٍ تؤمن بأن الكلمة سلطة؟
في اللحظات المفصلية من تاريخ الأمم، لا تكون الأسئلة رفاهية فكرية، بل شرطًا للبقاء والتقدّم .
هنا تشرئب بعض التساؤلات بأعناقها :
هل تتقدّم الدول بكثرة البرامج؟ أم بعمق العقول التي تصنعها ؟ هل ما نشهده اليوم مجرد برنامج لتطوير المؤسسات الصحفية ؟ أم أننا أمام لحظة نادرة قررت فيها الدولة أن تفكّر بعقل الصحفي… وتبني المستقبل بروح الكلمة؟
ما أعلنته وزارة الإعلام السعودية عن إطلاق برنامج تطوير المؤسسات الصحفية لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً إداريًا، ولا مبادرة عابرة في سجل الأخبار، بل هو إعلان صريح بأن الصحافة لم تعد هامشًا في مشروع الدولة، بل أصبحت جزءًا من قلب (الرؤية)، ومنطق القرار، وخريطة المستقبل .
فالصحافة هنا لا تُستدعى لتزيين المشهد، بل لتشكيله . ولا تُعامل كأداة نقل، بل من واقع أنها أداة قوة وعي، وصناعة تأثير، ورافعة وطن .
لماذا الآن؟ ولماذا الصحافة؟
لأن الزمن تغيّر… جذرياً .
ولأن الصحافة التي لا تتطوّر لا تموت دفعة واحدة، بل تتلاشى ببطء، حتى تفقد معناها قبل حضورها .
الدولة التي تخطط للمستقبل لا تكتفي بتحديث الطرق والمباني، بل تعيد هندسة العقل الجمعي، وتعيد تعريف دور الإعلام في تشكيل الوعي العام .
وهنا تدرك المملكة أن الصحافة لم تعد مجرد ناقل للخبر، بل هي شريك أصيل في التنمية، ومرآة للوعي , ومختبر للأسئلة الكبرى التي لا يجرؤ غيرها على طرحها , كأن البرنامج يقول بكل وضوح , نريد صحافة تفكّر… لا تكرّر . صحافة تحلّل… لا تكتفي بالسرد, تؤثر… لا تكتفي بالحضور .
حين تقود عقلية الصحفي القرار السياسي :
ليس تفصيلًا أن تأتي هذه الخطوة برعاية صاحب المعالي وزير الإعلام الأستاذ سلمان بن يوسف الدوسري ,وليس تفصيلًا أن يكون الوزير صحفيًا قبل أن يكون مسؤولًأ . فالصحفي حين يصل إلى موقع القرار، لا يرى الإعلام قطاعاً إدارياً فحسب ، بل كائناً حيّاً، يعرف أزماته من الداخل, ويقرأ تحوّلاته من الميدان، ويشعر بقلق الصحفي، وطموحه، وصراعه مع الزمن، والتقنية، والجمهور.
عقلية الأستاذ سلمان الدوسري الصحفية هي التي التقطت التساؤلات قبل أن تتحوّل إلى أزمة:
-كيف يمكن للصحافة السعودية أن تواكب عصر الذكاء الاصطناعي دون أن تفقد روحها؟
-كيف تتحوّل المؤسسات الصحفية من كيانات تقليدية إلى منصات تأثير وصناعة معرفة؟
كيف يصبح الصحفي جزءًا من المستقبل، لا ضحية له؟-
من هنا، لم يولد البرنامج من مكاتب الإدارة فقط، بل من ذاكرة الصحافة، ومن تجربة المهنة، ومن الوعي بأن الإعلام الحديث لا يُدار بالعناوين وحدها، بل بالرؤية والإستراتيجية.
الرهان الحقيقي: الإنسان قبل المنصة .
البرنامج المطروح لا يراهن على التقنية وحدها فحسب، بل على الإنسان الذي يقف خلف الشاشة، الصحفي:
على عقله النقدي.
ومهاراته الرقمية.
وأخلاقياته المهنية.
وقدراته على التكيّف مع زمن الخوارزميات دون أن يفقد إنسانيته .
فالتحول الرقمي بلا عقل… ضجيج.
والمنصات بلا صحفي واعٍ… فراغ .
وهنا تتجلى أنسنة القرار الإعلامي :
تطوير الإدارة،-
تحديث نماذج التحرير .-
تنويع مصادر الدخل .-
تمكين صناعة المحتوى .-
لكن دون التفريط في جوهر الصحافة :
المصداقية، المسؤولية، والضمير العام .
-الصحافة في رؤية 2030: من تابع إلى شريك :
يتقاطع هذا البرنامج بعمق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي لم تعد ترى الإعلام مجرد قطاع خدمي، بل قوة ناعمة، وصناعة رأي، وأداة وعي، وذاكرة وطن . صحافة مستدامة , اقتصاد إعلامي حيوي , محتوى يعكس هوية المملكة ويتحدث بثقة إلى العالم.
وهنا، لا تعود المؤسسات الصحفية كيانات تبحث عن البقاء، بل منصات تفكير، ومراكز تأثير، وشركاء في صياغة المستقبل .
السؤال الأخير… والأكثر عمقاً ؟-
هل نحن أمام برنامج تطوير؟ أم أمام إعلان غير مباشر بأن زمن الصحافة الهامشية قد انتهى؟!!
الأرجح أننا أمام دولة تقول للصحافة :
تقدّمي… نحن نثق بعقلك .
تغيّري… دون أن تتخلي عن ضميرك وقيمك.
كوني المستقبل… لا مجرد شاهد عليه .
إنها خطوة دولة …..لكنها خطوة وُلدت من عقل صحفي ,ونبض رؤية، وإيمان بأن الكلمة حين تُدار بوعي، لا تكتفي بوصف الواقع …. بل تصنعه …
• أستاذ العلاقات العامة والإعلام الرقمي
• كلية الاتصال والإعلام جامعة الملك عبد العزيز





