منذ 150 عاماً، التقط المهندس محمد صادق بك صورة للكعبة كانت كل تفاصيلها تُنطق بالبساطة: ساحة ترابية، مبانٍ حجرية، وحجاج يطوفون بلا حواجز ولا تقنية. اليوم، في حج 2026، أقف أمام مكة فأراها قد تحولت إلى مدينة ذكية، دون أن تفقد هيبتها ولا روحانيتها.
التوسعة التي غيّرت المكان
التوسعة السعودية الثالثة للحرم المكي لم تعد مشروعاً على الورق. اليوم نلمس أثرها في كل زاوية. الطاقة الاستيعابية للحرم تجاوزت 2.5 مليون مصلٍ في وقت واحد، بعد أن كانت لا تتجاوز مئات الآلاف.
المسعى الجديد أضاف 500 متر إضافية، وجسر المشاة الرابط بين الحرم ومكة مول اختصر ساعات من الزحام. الرواق السعودي وحده يستوعب 287 ألف مصلٍ، ومشاريع المياه والتحلية ضمنت وصول ماء زمزم والعذب لملايين الحجاج بلا انقطاع.
ما كان يُدار بالجهد البشري المحدود، صار يُدار بمشاريع هندسية تُعد الأكبر في تاريخ الإسلام، بتكلفة تجاوزت 100 مليار ريال.
التقنية التي نظّمت الزمان
لكن التغيير الأهم لم يكن في الحجر، بل في الإدارة. حج 2026 هو حج البيانات والذكاء الاصطناعي.
من لحظة وصول الحاج، تبدأ المنظومة بالعمل: تطبيق نسك، التصاريح الرقمية، الأساور الذكية لتحديد الموقع، ومنصة “نسك مسار” لتنظيم السكن. في المشاعر، قطار المشاعر وحده ينقل 500 ألف حاج بالساعة، وشبكات 5G الذكية تتكيف تلقائياً مع كثافة الحشود.
حتى إدارة الحشود في رمي الجمرات أصبحت علماً. مداخل متعددة، توقيت منظم، وفرق ميدانية تتحرك بناءً على قراءة لحظية للازدحام. والنتيجة: انسيابية لم نكن نتخيلها قبل سنوات.
الإنسان في قلب المعادلة
رغم كل هذا التقدم التقني، بقي الإنسان هو المحور. أكثر من 22 ألف موظف ميداني، 3000 آلية نظافة، ومختبرات متنقلة تفحص 1300 عينة يومياً لضمان سلامة الماء والطعام. 200 سرير ميداني في منى، و71 نقطة إسعاف سريع، كلها تقول شيئاً واحداً: ضيف الرحمن ليس رقماً، بل أمانة.
بين الأمس واليوم
الفرق بين صورة 1880 وحج 2026 ليس مجرد فرق زمني. هو فرق في الفلسفة. من استقبال الحاج كفرد يأتي ليتعبد، إلى إدارة رحلته كمنظومة متكاملة تبدأ من بلده وتنتهي بعودته سالماً.
مكة لم تفقد روحانيتها مع التقنية، بل استخدمت التقنية لتقرب الحاج من الخشوع، وتزيل عنه مشقة التنظيم.
السؤال الذي أخرج به من هذا التأمل:
هل استطعنا نحن كحجاج أن نرتقي بقلوبنا بقدر ما ارتقت الخدمات حولنا؟
فالتقنية تُسهل الطريق، لكن الخشوع لا تصنعه إلا القلوب.
شكراً مملكتنا… على تنظيمات الحج اليوم التي لم تعد كما عهدناها. لم تعد مكة مكاناً عادياً وحسب، بل أصبحت نموذجاً عالمياً في إدارة الحشود، وتسخير التقنية لخدمة ضيف الرحمن. جهد يُرى، وتطوير يُحس، وقلوب تشهد أن البذل كان على قدر المقام.
شكراً لكل يد من أبناء مكة والقائمين عليها، وكل من شارك في رفعة هذا المكان الشامخ.
*محبة مكة للأبد







