تُستدعى الاستشارات الأجنبية اليوم كمسار سريع لتعجيل الإنجاز والوصول إلى النماذج العالمية وأفضل الممارسات. ومع اتساع حضورها في قرارات التطوير، يبرز سؤال يتجاوز كفاءة التنفيذ إلى بنية المعرفة التي تستند إليها تلك القرارات: كيف تُقاس قيمة الخبرة؟ وعلى أي أساس تُمنح الثقة؟ ومتى تتحول الاستعانة إلى ارتهانٍ يقيّد القدرة على الفهم قبل الفعل؟ هذه الأسئلة لا تتعلق بفاعلية الأدوات بقدر ما تتصل بمصدرها وبالمرجعية التي تُبنى عليها القرارات.
لا يُقصد بهذا الطرح رفض الشراكات الدولية، فالتكامل مع الخبرة العالمية شرط من شروط التقدم. غير أن الإشكال يتشكل عندما تتحول هذه الشراكات من أداة دعم إلى مرجعية يُعاد عبرها تشكيل القرار. فعندما تُنقل النماذج كما هي، من دون قراءة نقدية لشروط إنتاجها أو لحدود ملاءمتها، تتغير وظيفة الاستشارة من توسيع أفق الفعل إلى إعادة تعريفه من خارج بنيته، وتنفصل عملية التفسير عن السياق الذي يفترض أن تنتمي إليه.
في سياق المملكة العربية السعودية، بوصفها عضوًا في مجموعة العشرين، لا تُقاس القوة بوفرة المعرفة المتاحة، بل بالقدرة على إنتاجها والتحكم في مساراتها. فمكانة الاقتصادات المتقدمة لا تتحدد بما تملكه من بيانات وتقارير، بل بقدرتها على تفسيرها وربطها بسياقها وبناء القرار انطلاقًا منها؛ وذلك هو جوهر الاستقلال المعرفي.
تتجلى المشكلة في نمط يمكن وصفه بـ«الاعتماد المعرفي المُقنّع»، حيث تتراجع وظيفة المؤسسة من إنتاج المعرفة إلى استهلاكها مع بقاء مظاهر الكفاءة التشغيلية قائمة. لا ينشأ هذا التحول من غياب الخبرة المحلية، بل من تعطيلها؛ إذ يُستبدل التحليل الداخلي بتبنّي نماذج جاهزة، فتبدو المؤسسة قادرة في ظاهرها، بينما تُدار مفاتيح الفهم خارجها. عند هذه النقطة لا يقتصر الأثر على إضعاف القرار، بل يمتد إلى فقدان القدرة على تعريف المشكلة ذاتها، وهو التحول الأخطر في أي منظومة تسعى إلى التطوير.
وحين تُسند مهمة تشخيص المشكلة إلى الخارج، فإن المؤسسة لا تختصر الطريق، بل تتخلى عن امتلاكه. ويزداد وضوح هذا النمط عند مقارنته بتجارب دولية أعادت ضبط موقع الاستشارات داخل بنيتها المؤسسية. ففي الولايات المتحدة تبقى وحدات التحليل الداخلي هي التي تقود القرار، وتأتي الاستشارات لتعزيز ما هو قائم لا لاستبداله. وفي اليابان تُعاد صياغة الخبرة العالمية داخل المؤسسة عبر منطق التحسين المستمر، فلا تُنقل كما هي بل تُهضم وتُكيّف.
أما ألمانيا فتعتمد على بنية بحثية تطبيقية متماسكة تقودها مؤسسات مثل جمعية فراونهوفر، بما يجعل إنتاج المعرفة جزءًا من نسيج العمل المؤسسي. وفي المملكة المتحدة دفعت مراجعات نقدية إلى تقليص الاعتماد غير المنتج على الاستشارات، بعدما كشفت التجربة أن الإفراط فيها دون نقل المعرفة يخلق فجوة بين الإنجاز الشكلي والقدرة الفعلية.
لا يرتبط الفارق في هذه النماذج بحجم الاستفادة من الخبرة العالمية، بل بموقعها داخل دورة إنتاج المعرفة. فحين تُعامل الاستشارات كمدخل للتحليل وإعادة البناء تُعزّز القدرة المؤسسية، أما حين تُعامل كمنتج نهائي فإنها تعيد تشكيل علاقة المؤسسة بالمعرفة على نحو يضعف استقلالها ويدفعها إلى إعادة إنتاج الاعتماد بدل تجاوزه.
ويمتد أثر هذا التحول مباشرة إلى منطق الإنفاق وتوجيه الموارد. فالتوسع في التعاقد مع بيوت الخبرة لا يعني فقط ارتفاع التكلفة، بل يكشف تحوّلًا في أولويات الاستثمار. الكلفة المباشرة واضحة، غير أن ما يُفقد في المقابل أكبر: مراكز بحث لم تُنشأ، وكفاءات لم تُطوَّر، وأدوات تحليل لم تتشكل.
ومع تكرار هذا النمط لا تتباطأ عملية التعلم فحسب، بل تتآكل القدرة عليه. وعندما لا تُنتج هذه التعاقدات معرفة قابلة للتراكم، تتحول نتائجها إلى مخرجات مؤقتة. تُسلَّم التقارير وتُعتمد النماذج، من دون أن تنتقل آليات إنتاجها، فتظل القدرة على تطويرها محدودة، ويُعاد التعاقد عند كل محاولة تحسين.
هنا لا تكمن المشكلة في كلفة الاستشارة، بل في أثرها الممتد؛ إذ تتحول إلى آلية تُعيد إنتاج الحاجة إليها وتُضعف القدرة على الاستغناء عنها، حتى وإن بدت ناجحة في ظاهرها. ويظهر هذا النمط بوضوح في قطاع التعليم — وخاصة الجامعات — حيث تتجاوز الإشكالية حدود الشراكة إلى طبيعة الدور المسند إلى بيوت الخبرة.
فقد شهدت بعض التجارب استعانة بجهات استشارية دولية مثل Boston Consulting Group لإعادة رسم الخريطة الأكاديمية، بما في ذلك مراجعة البرامج والتخصصات وإعادة ترتيبها. وعلى الرغم من أهمية التقييم الدوري، فإن نقل مركز التشخيص والتحليل إلى الخارج يثير سؤالًا جوهريًا: هل تملك المؤسسة أدواتها الذاتية لفهم واقعها، أم أنها تستعير هذا الفهم من خارجها؟
في المقابل، لا تعاني الكفاءات الوطنية من نقص في القدرة، بل من محدودية في التمكين المؤسسي. وعندما يُستبدل الداخل بالخارج بدل أن يُبنى عليه، فإن الخسارة تمس جوهر البنية المعرفية، لأنها تُضعف القدرة على إنتاج الفهم قبل التنفيذ، وتعيد تشكيل علاقة المؤسسة بالمعرفة على نحو يُقيد استقلالها.
وما يكشفه هذا المثال لا يخص قطاعًا بعينه، بل يعيد صياغة السؤال على مستوى أوسع: متى تكون الاستشارة مبرَّرة، ومتى تتحول إلى عبء مقنّع؟ فالقيمة لا تتحدد بحضور الاستشارة، بل بقدرتها على إضافة معرفة لا يمكن إنتاجها داخليًا في المدى القريب، وبمدى اندماجها في بنية المؤسسة كعملية تعلم لا كعملية توريد.
وعندما لا تُفضي الاستشارة إلى تمكين داخلي، ولا تُعيد تشكيل القدرة على التحليل، ولا تُقلّص الحاجة إليها لاحقًا، فإنها تتحول — مهما بلغت جودتها الفنية — إلى استنزاف ناعم للقدرة المؤسسية. وفي ضوء ذلك، لا تعود المسألة مجرد خيار إداري، بل قرارًا يتصل بمستقبل القدرة على إنتاج المعرفة.
لا تُبنى الريادة بشراء الحلول، بل بامتلاك القدرة على إنتاجها وإعادة تطويرها. والاختبار الحقيقي لا يكمن في جودة ما يُستورد من أفكار، بل في القدرة على الاستغناء عنها؛ فحيث تتعذر هذه القدرة يبدأ الارتهان، مهما بدا في ظاهره خيارًا مهنيًا مشروعًا.
أستاذ القيادة التربوية
المدير العام للتعليم بمنطقة مكة الأسبق
# الاستشارات_الأجنبية






