خلف الخطوط
لنتخيّل خريطة الشرق الأوسط كلوحة شطرنج مليئة بالملوك المُزَيَّفِين، إيران تُحَرِّكُ ميليشياتها كقِطَع غير شرعية، تُؤَجِّجُ الصراعات، وتُبْنِي (دولا داخل دول) من خلال وكلائها من الميليشيات والجماعات المسلحة، بينما تقف المملكة العربية السعودية كحارس النظام، تُعِيدْ ترتيب اللوحة نحو الاستقرار الوطني والتفاوض. هذا الصراع بين النموذج المارق الإيراني والنهج السعودي المُثَبِّت ليس تكتيكيا، بل حرب هويات استراتيجية تشكِّلُ مستقبل الإقليم، حيث تُوَاجِهُ الرياض نموذجاً يُفَسِّدُ الاستقرار باسم (المقاومة).
النموذج الإيراني: توسيع النفوذ عبر (الدولة داخل الدولة)
السياسة الإيرانية تُقَدِّمُ نفسها كنموذج دولة مارقة، تُوَظِّفُ الفاعلين غير الدوليين، وتُمَدِّدُ نفوذها عبر وكلاء مسلّحين، بدلا من تقوية مؤسسات الدولة. هذا النهج ليس عشوائيا، بل مُخَطَّطٌ مُتَكَامِلٌ يُحَوِّلُ الدول المجاورة إلى ساحات نفوذ دائم.
• في اليمن، الحوثيون ذراع للابتزاز الإقليمي، يُهَدِّدُونَ البحر الأحمر ويُعِيقُونَ التجارة العالمية.
• في العراق، فصائل الحرس الثوري تبني قوى موازية تضعف الحكم وتُفَسِّدُ الانتخابات.
• في لبنان، حزب الله (دولة داخل دولة) تفوق الجيش اللبناني بـ 10 أضعاف في التسليح.
• في سوريا، تُدْعَمُ ميليشيات شيعية للسيطرة على الممرات الاستراتيجية شرق الفرات، مُحَوِّلَة البلاد إلى قاعدة أمامية لطهران تُهَدِّدُ الأردن وإسرائيل.
هذا إطار استراتيجي يعتمد على التوتر الدائم لبناء هوامش قوة خارج النظام الدولي.
النموذج السعودي المعاكس: تثبيت الدولة ومسارات التهدئة
تُحَوِّلُ الرياض التحدِّي إلى فرصة، ببناء نهج يُقَوِّي الدولة الوطنية، ويُخَفِّضُ الحدَّة، ويُفْتَحُ التفاوض، مُسْتَخْدِمَة عناصر قوتها الوطنية الدبلوماسية والاقتصادية وكذلك الشراكات الدولية.
• ففي اليمن: من المواجهة إلى المبادرات السياسية
قادت وقف النار، ورفع الحصار، وتهيئة مسارات شاملة بـاستثمارات إعمار بمليارات الدولارات، لترسيم حدود النفوذ الإيراني في ساحة حيوية لأمن المملكة.
• وفي العراق: الدبلوماسية لتهدئة الصراع الطائفي
دعم مسارات تهدئة بين القوى السياسية عبر قمم ثلاثية سعودية-عراقية-كويتية، لتقليل الصراع السني-شيعي، واغلاق الفراغات أمام التمدُّد المسلّح.
• وفي لبنان: نجاح التنسيق السعودي- الأمريكي في وقف إطلاق النار
وأبرز مثال حيّ على النجاح السعودي هو وقف إطلاق النار الحالي (أبريل 2026)، الذي جاء بتنسيق سعودي-أمريكي مُكَثَّفٍ، كما أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون في تصريحاته (17 أبريل 2026)، مثمناً الدور البارز للمملكة إلى جانب شركائها، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة. هذا الدعم المالي بمليارات الدولارات للإغاثة، والدبلوماسي بالتنسيق مع فرنسا لا يقتصر على التهدئة المؤقتة، بل لتعزيز السلطة والدولة الوطنية طويل الأمد، وإعادة ترسيم الحدود بين المقاومة المُمَوِّلَة من طهران والسيادة اللبنانية الحقيقية.
• وفي سوريا: مواجهة التمدُّد عبر الدبلوماسية الإقليمية والدعم الإنساني
ركّزت السعودية على الدبلوماسية الإقليمية لدعم حكومة انتقالية قوية، وقدّمت وتقدِّم مساعدات إنسانية هائلة تتجاوز المليار دولار لإعادة الإعمار في الشمال الشرقي، لمواجهة محاولات إيران لتحويل البلاد إلى قاعدة عسكرية دائمة. ومن خلال تنسيق مع تركيا والأردن والإمارات، ساهمت الرياض في تقليص مساحة الميليشيات الشيعية، وتعزيز دور الدولة السورية ككيان سيادي، لمواجهة نموذج ايران (الدولة المارقة) الذي يُهدِّد التوازن الإقليمي شرق الفرات وغربه.
رغم توجه إيران (الدولة المارقة)، تُحَقِّقُ السعودية نجاحات ملموسة -كما هو في لبنان مؤخراً، والتهدئة في اليمن، وقمة بغداد للعراق- في تقوية الدول، وتقليص الفاعلين غير الدوليين، وتحقيق مكاسب دبلوماسية، مُثبِتَةً قدرة التكيُّف لسياستها الخارجية في محيط متشدّد حتى في ظل الضغوط الأمريكية-الإيرانية.
ختاما..
في نهاية المطاف، السعودية ليست قوة دفاعية فحسب، بل مهندس الاستقرار الإقليمي، تُعِيدُ تعريف دورها فيما بعد الصراع. بينما تُكْرِسُ إيران التوتر كأداة للابتزاز، وتُحوِّل الرياض التحدِّي إلى نموذج سعودي يُقوِّي الدول، ويُقلّل الميليشيات، ويُضْمِنُ أن تقود هذه التسويات إلى نظام إقليمي مستقِرّ وسيادي، وهذا النهج، الذي تجسّد في رؤية 2030 من خلال مبادرات مثل صندوق الاستثمارات العامة لدعم الإعمار الإقليمي، و (نيوم) كنموذج للتنمية المستدامة، يُثبِّت المملكة كقوة محورية، قادرة على رسم معالم الغد الآمن، وتحويل (محاور المقاومة) إلى محاور تنمية.
{رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَات}
—————
🔻
(الدولة المارقة) مصطلح دولي معترف به يطلق على الدول التي تخرج عن الأعراف والمعاهدات الدولية، وتُشكِّل تهديداً للسَلام العالمي عبر دعم الإرهاب، السَعيِ لأسلحة الدّمار الشامل، أو توظيف وكلاء غير دوليين.






