في عصر تُدار فيه صناعة النقل عالمياً بمنطق تعظيم العائد لكل مقعد، تبرز تساؤلات جوهرية حول كفاءة استغلال السعة المقعدية والتشغيلية في بعض الأنظمة الحديثة، ومنها قطار الحرمين السريع، الذي يُعد أحد أبرز مشاريع النقل في المملكة وأحد أهم روافد منظومة التنقل الحديثة.
قبل فترة قررت مع عدد اربعة من الأصدقاء بشكل مفاجئ زيارة مسجد الرسول صل الله عليه وسلم يوم الاحد 12 ابريل 2026م والعودة في نفس اليوم ،، بدأت القصة منذ لحظة الحجز في ساعات الفجر الأولى حيث فوجئت بأن رحلة الساعة 12 ظهراً كانت ممتلئة وكذلك رحلة الساعة 2 ظهراً، ولم يتبق أمامي سوى خيار رحلة الساعة 1 ظهراً
هذا المشهد يوحي مبدئياً بوجود طلب مرتفع وضغط على الرحلات في هذا التوقيت، وهو مؤشر إيجابي من حيث الإقبال.
إلا أن ما ظهر داخل القطار رسم صورة مختلفة تماماً. فالقطار يتكوّن من 13 عربة موزعة على درجتين:
– خمس عربات لدرجة رجال الأعمال بنحو 113 مقعداً.
– ثماني عربات للدرجة السياحية بنحو 304 مقاعد.
لكن المفارقة الملفته كانت عند الصعود ، إذ بدت درجة رجال الأعمال شبه خالية من الركاب، حيث لم يتجاوز في نظري العدد الفعلي قرابة 35 راكباً من اجمالي 113 مقعد تقريباً !!! أما في الدرجة السياحية فقد لوحظ تركز الركاب في بعض العربات وتحديداً في العربه 6 و 7 و 8 في حين بقيت عربات أخرى شبه فارغة وفي اعتقادي ان العدد كان في حدود 120 الى 140 راكب من اجمالي 304 مقعد.
هذه المشاهد لا تعكس بالضرورة ضعف الطلب ، بقدر ما تشير إلى اختلال مُحتمل في إدارة توزيع الطلب (وقتاً وسعراً) ، وهو جوهر ما يُعرف عالمياً بـ (إدارة العائد) (Revenue Management) أو (Yiled Management) وهي المنهجية التي تعتمد عليها في الغالب (شركات الطيران والقطارات ومن في حكمها) وذلك لتعظيم الإيرادات من خلال (التسعير الديناميكي المرن) وإدارة السعة المتاحة بكفاءة عالية فاذا (اقلعت الطائرة او تحرك القطار) فالمقعد الغير مشغول يعتبر خسارة للشركة.
ومن الجدير بالذكر إنه وفي (أنظمة ادارة العائد) لا يُترك السعر ثابتاً حتى لحظة اغلاق الباب واقلاع او تحرك القطار أو الرحلة، بل يتم التعامل مع المقاعد كأصول قابلة للتسعير المتغير وفق معادلات تعتمد على مستوى الإشغال الفعلي، وقرب موعد الرحلة، ونمط الطلب التاريخي لنفس الساعه ونفس اليوم والاسبوع والشهر الماضي مرتبط بسلوك الحجز من حضور صاحب الحجز او تغيبه مع اتاحة البيع المرن قبل الاقلاع والتحرك بساعه بل هناك ما يسمى (المزايده) (Bidding) على سعر المقعد قبل ساعة او ساعتين من الرحله) ،، ومن هذا المنطلق، يمكن تصور مجموعة من الأدوات التي قد ترفع كفاءة الاستغلال لكل مقعد ومن أهمها:
1- تطبيق تسعير مرن وديناميكي يتغير مع اقتراب موعد الرحلة قبل 48 ساعه و 24 ساعه و 12 ساعه او قبل 6 ساعات من تحرك القطار وبالتالي إعادة توزيع الطلب بين الرحلات عبر عروض تحفيزية للرحلات الأقل إشغالاً، وتقديم خصومات اللحظة الأخيرة للمقاعد غير المباعة، إضافة إلى تعزيز برامج الولاء وإرسال عروض موجهة للعملاء بحسب أنماط سفرهم الفعلية.
2- بدلاً من بقاء مقاعد رجال الأعمال غير مستغلة، يمكن تحويل جزء من هذا الفائض إلى قيمة مضافة عبر عروض (ترقية مرنة) قبل الرحلة بـ 24 أو حتى 6 ساعات، بما يحقق معادلة مزدوجة رفع معدل الإشغال من جهة، وتعظيم العائد من كل مقعد من جهة أخرى (كما هو الحال لدى كثير من شركات الطيران).
3- تطبيق ما يسمى (المزايده) (Bidding) على سعر مقعد رجال الأعمال قبل ساعة او ساعتين بشكل اليكتروني كما هو في شركات الطيران.
مما تقدم فإننا نخلص إلى إن إدارة العائد ليست مجرد أداة مالية لزيادة الإيرادات، بل هي فلسفة تشغيلية متكاملة تهدف إلى تحقيق التوازن بين ثلاثة عناصر رئيسية (الإيراد، والإشغال، وتجربة العميل).
وفي حالة قطار الحرمين، فإن تطوير هذا الجانب قد يفتح المجال أمام فرص كبيرة لتحسين الكفاءة التشغيلية، ورفع العائد الاستثماري، وتعزيز رضا المسافرين في الوقت نفسه.
*إضاءة:*
هناك مصطلح جميل يقول (تجربة العميل فرصة لرفع العائد وترسيخ الولاء) وبالحديث عن تجربة العميل، استطيع ان اقول وغيري كثير يؤيدونني انها فرصة ثمينة غير مُستغلة (مع الأسف) من ادارة قطار الحرمين!! حيث يبرز تساؤل هل تم استغلالها كمحفز للإقبال؟ وهل هناك إمكانية تطوير تجربة الرحلة نفسها ولم تُستغل بالفعل ؟ ولماذا يبقى الراكب لساعتين ونصف أو أقل أوأكثر في مقعده دون تفاعل؟
وجميعنا يعرف ان المسار الذي يقطعه القطار يمر أو يُحاذي مناطق ومواقع جغرافيه وتاريخيه ودينية ضاربة في الجذور لكن الراكب لا يعلم عنها شئ ولا يعلم ماذا في خارج القطار!!!.
فلماذا لا يتم استثمار ذلك التاريخ الديني والثقافي والجغرافي عبر شاشات عرض تفاعلية مرتبطة بـ (مستشعرات المواقع) تُقدِّم معلومات عن المدن والقرى التي يمر بها أو يحاذيها مسار القطار (من مواقع تاريخية مثل طريق الهجرة النبوية أو خيمة أم معبد او غيرها أو من القرى والمدن التي يحاذيها القطار ومعلومات عنها).
فمثل هذه المبادرات لا تُعزز المعرفة فحسب، بل تُضيف بُعداً ثقافياً وسياحياً للرحلة، وتحوّل وقت السفر إلى تجربة أكثر ثراءاً وارتباطاً بالمكان وبالتالي فالراكب سيخرج بمعلومات جديدة عن هذا البلد العريق.
*الختام:*
تبقى المقاعد الفارغة في الرحلات التي تبدو (ممتلئةٌ طلباً عند الحجز فارغة عند السفر) إشارة تستحق التوقف ، ليس لأنها مشكلة قائمة بحد ذاتها، بل لأنها فرصة مُهدرة ومفقودة في نظام نقل يمتلك كل المقومات ليكون نموذجاً عالمياً في إدارة العائد والكفاءة التشغيلية ورفع تجربة العميل ،، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في زيادة عدد الرحلات فقط، بل في تعظيم قيمة كل مقعد وإيجاد تجربة متفردة للعميل.
والسلام ختام،،،
• المستشار في مجال السفر والسياحة والطيران






