المقالات

العراق تحت سقف النفوذ الإيراني: دولة بين السيادة والوصاية

خلف الخطوط

لم يعد الحديث عن العراق بوصفه ساحة نفوذ إيراني مجرد توصيف سياسي عابر، بل أصبح أقرب إلى حقيقة تفرض نفسها على تفاصيل المشهد العراقي يوما بعد يوم. فالعراق، الدولة ذات العمق التاريخي والوزن الجغرافي والموارد الواسعة، يملك كل مقومات القوة، لكنه يواجه معضلة أشد خطورة: تآكل القرار السيادي أمام شبكة نفوذ معقدة تتداخل فيها السياسة بالسلاح، والمؤسسات الرسمية بالفاعلين غير الرسميين، والمصلحة الوطنية بالحسابات الإقليمية. وفي قلب هذه المعادلة يقف النفوذ الإيراني بوصفه العامل الأكثر تأثيرًا في إعادة تشكيل التوازنات الداخلية، إلى حد جعل القرار العراقي في ملفات كثيرة يتحرك داخل حدود مرسومة من خارجها.

العراق بين الدولة ومراكز القوة
تكمن أزمة العراق الأساسية في أن الدولة لم تعد وحدها صاحبة القرار الفعلي في كل الملفات. بالرغم من أنّ مؤسسات الحكم موجودة، والبرلمان قائم، والحكومة تتشكل وفق الأطر الدستورية، لكن هذا الشكل المؤسسي لا يلغي حقيقة أن القرار العراقي كثيرا ما يمر عبر مسارات موازية، بعضها سياسي وبعضها أمني وبعضها اقتصادي. وهنا يظهر أثر النفوذ الإيراني؛ إذ لم تكتفِ طهران ببناء علاقات مع قوى سياسية عراقية، بل عملت على ترسيخ منظومة تأثير تجعل ملفات كبرى، من تشكيل الحكومات إلى إدارة الأزمات الأمنية، خاضعة لحسابات تتجاوز الإرادة الوطنية الخالصة.
هذه الحالة لا تعني أن العراق فقد دولته بالكامل، لكنها تعني أن الدولة العراقية أصبحت تعمل تحت ضغط مستمر من قوى تمتلك قدرة على التعطيل والمناورة والفرض. وفي مثل هذا السياق، تصبح السيادة مفهوما ناقصا، وتتحول المؤسسات إلى ساحات تنازع بدل أن تكون أدوات حسم. ومن هنا تأتي خطورة الحالة العراقية: ليست في غياب الدولة، بل في وجودها وهي منقوصة القدرة على الفعل المستقل.

السلاح كأداة نفوذ
أخطر ما في المشهد العراقي أن السلاح لم يعد جزءا من منظومة الدولة وحدها، بل أصبح موزعا بين الدولة وقوى خارج احتكارها. وهذه ليست مجرد مسألة أمنية، بل معضلة سياسية بنيوية. فحين تمتلك جماعات مسلحة قدرة على التأثير في المعادلة الداخلية، وتتمتع في الوقت نفسه بعلاقات وثيقة مع إيران، فإنها لا تبقى مجرد قوى ميدانية، بل تتحول إلى أدوات ضغط سياسي واستراتيجي.
في العراق، لا يعمل السلاح فقط في مواجهة خصوم مفترضين أو تهديدات أمنية، بل يدخل في صناعة القرار نفسه. فوجود قوة مسلحة خارج السيطرة الكاملة للدولة يعني عمليا أن هناك طرفا قادرا على فرض حدود معينة على خيارات الحكومة، وعلى التأثير في المزاج السياسي، وعلى تعطيل أي مسار لا ينسجم مع شبكة المصالح القائمة. وهذا ما يجعل النفوذ الإيراني أكثر رسوخا؛ لأنه لا يعتمد فقط على الحلفاء داخل المؤسسات، بل أيضا على أذرع قادرة على فرض واقع ميداني ينعكس مباشرة على السياسة.
وعندما يصبح السلاح عنصرا في التفاوض السياسي، تفقد الدولة جزءا من هيبتها، وتتحول السيادة إلى مساحة رمادية. وفي هذه المساحة الرمادية تحديدا، يزدهر النفوذ الخارجي، لأن الدولة لا تواجه خصما واضحا فقط، بل تواجه أيضا تداخل الولاءات وتشابك المصالح وتعدد مراكز القوة.

من التحالف إلى البنية الوظيفية
العلاقة بين إيران وبعض القوى العراقية لا يمكن اختزالها في كونها مجرد تحالفات سياسية ظرفية. فالأمر أعمق من ذلك بكثير. لقد بنت طهران على مدى سنوات طويلة شبكة من العلاقات التي تجمع بين الدعم السياسي والتوجيه الأمني والتأثير العقائدي والارتباط الاقتصادي، حتى باتت بعض الفصائل والقوى العراقية أقرب إلى البنية الوظيفية منها إلى الشراكة التقليدية.
الفرق مهم هنا. فالحليف السياسي قد يختلف معك في بعض الملفات، وقد يتباعد عند تغير الظروف، لكنه يظل مستقلا في بنيته وقراره، أما البنية الوظيفية فتعني أن الطرف المحلي يؤدي دوراً محدداً داخل مشروع أوسع، وأن وظيفته ترتبط بتمكين النفوذ الخارجي أو حمايته أو توسيعه. وهذه هي الصورة الأقرب للعلاقة الإيرانية ببعض القوى المسلحة والسياسية في العراق. إذ لا يبدو الأمر وكأنه تبادل مصالح متكافئ، بقدر ما هو علاقة نفوذ غير متوازن، فيه طرف يملك القدرة على التأثير والتوجيه، وطرف آخر يتلقى الدعم ويؤدي الدور المرسوم له.
ومن هنا يمكن فهم لماذا لا تقتصر آثار النفوذ الإيراني على الجوانب الأمنية، بل تمتد إلى بنية النظام السياسي ذاته، وإلى تشكيل التحالفات، وإلى تحديد سقف الممكن والممنوع في الدولة العراقية.

الاقتصاد والسياسة حين يلتقيان
ليس النفوذ الإيراني في العراق نفوذاً عسكرياً فقط، بل أيضاً نفوذ اقتصادي يتغذى على نقاط الضعف البنيوية في الدولة. فحين تكون الحدود قابلة للاختراق، والمعابر مجالاً للتجاذب، وشبكات المصالح قادرة على الالتفاف على القانون، يصبح الاقتصاد أحد أهم ميادين النفوذ.
هذا التداخل يمنح النفوذ الإيراني عمقاً إضافياً. فالقوة التي لا تكتفي بالسلاح، بل تمتلك موطئ قدم في الاقتصاد وشبكات المصالح، تصبح أكثر قدرة على الصمود. وحين تكون بعض القوى السياسية مرتبطة بهذه الشبكات، فإن أي محاولة لبناء دولة قوية ومستقلة تصبح أكثر صعوبة. لأن المشكلة عندها لا تتعلق فقط بمن يملك السلاح، بل بمن يملك أيضا مفاتيح الموارد ومسارات الربح ومراكز التأثير غير الرسمية.
وهكذا يتحول الاقتصاد من أداة بناء للدولة إلى وسيلة ضغط عليها. وتتحول بعض المصالح الخاصة إلى جزء من معادلة النفوذ الإقليمي، بما يجعل الصراع على العراق صراعا على القرار وعلى الموارد وعلى الاتجاه السياسي العام في آن واحد.

أثر عابر للحدود
تزداد خطورة هذه الصورة حين ينعكس النفوذ الداخلي على الأمن الإقليمي. فخلال الأيام الماضية، أعلنت الكويت تعرض موقعين حدوديين في شمال البلاد لهجوم بطائرتين مسيرتين قادمتين من العراق، فيما أشارت تغطيات صحفية إلى أن هذه الهجمات جاءت في سياق أوسع من استخدام الطائرات المسيرة ضد دول خليجية، حتى بعد وقف النار. كما تحدثت تقارير إعلامية عن استمرار هجمات مماثلة خلال فترة التهدئة، وهو ما يعزز الانطباع بأن بعض الفصائل ما زالت تتعامل مع الحدود العراقية بوصفها منصة ضغط لا بوصفها حدود دولة ذات سيادة.
هذه الوقائع ليست تفصيلا ثانويا، بل دليلاً عملياً على أن المشكلة العراقية لا تتوقف عند الداخل. فحين تنطلق المسيّرات من الأراضي العراقية نحو دولة مجاورة، يصبح السؤال أكبر من مجرد مسؤولية المنفذين؛ إنه سؤال عن طبيعة البيئة السياسية والأمنية التي سمحت بهذا الفعل، وعن الجهة التي تمتلك القدرة على التصعيد أو غض الطرف أو توظيف الساحة العراقية في رسائل إقليمية أوسع.

السيادة الوطنية في مأزق
النتيجة الطبيعية لهذا المشهد هي تراجع السيادة الفعلية. والسيادة هنا لا تعني فقط رفع العلم أو وجود الدستور أو إجراء الانتخابات، بل تعني قدرة الدولة على أن تكون صاحبة القرار النهائي في قضايا السلم والحرب، والتحالفات، والسلاح، والحدود، والاقتصاد، والعلاقات الخارجية. وفي العراق، تبدو هذه القدرة مقيدة في أكثر من ملف، لأن مساحة القرار الوطني كثيرا ما تصطدم بحقائق النفوذ القائم.
هذه الحالة لا تؤدي فقط إلى إضعاف الدولة، بل إلى إنتاج شعور دائم بعدم الاستقرار. فالمواطن حين يرى أن مؤسسات بلاده عاجزة عن فرض القانون بشكل كامل، وأن السلاح ليس بيد الدولة وحدها، وأن السياسات الكبرى تتأثر بعوامل خارجية، فإنه يفقد الثقة في أن الدولة قادرة على حماية مصالحه. وهنا تبدأ أخطر مراحل الضعف السياسي: حين تصبح الدولة موجودة شكليا لكنها عاجزة عن إقناع شعبها بأنها صاحبة القرار الحقيقي.
كما أن هذا الوضع يضر بصورة العراق إقليميا ودوليا. فالدولة التي لا تبدو متماسكة داخليا يصعب أن تُعامل بوصفها فاعلاً مستقلاً بالكامل. وهذا ينعكس على موقع العراق التفاوضي وعلى قدرته على الاستفادة من موارده ومكانته الجغرافية.

خاتمة
العراق اليوم ليس دولة بلا مقومات، لكنه دولة تُدار في كثير من الملفات تحت سقف نفوذ إقليمي ثقيل، تتصدره إيران عبر أدوات سياسية وأمنية واقتصادية متشابكة. والخطر الحقيقي لا يكمن فقط في وجود هذا النفوذ، بل في تحوله إلى واقع طبيعي يعتاده الناس والنخب والفاعلون السياسيون، حتى يكاد يبدو جزءاً من المشهد غير القابل للتغيير.
إن استعادة العراق لقراره الوطني لا تتطلب فقط إصلاحاً إدارياً أو تعديلاً سياسياً، بل تحتاج إلى استعادة احتكار الدولة للسلاح، وفك التشابكات بين النفوذ السياسي والولاء الخارجي، وإعادة تعريف العلاقة مع الجوار على أساس المصلحة الوطنية لا التبعية. فالعراق الذي يملك كل عناصر القوة لا يجوز أن يبقى أسيرا لمعادلة تصادر إرادته. وما لم تُكسر هذه الحلقة، سيظل العراق يتحرك بين الدولة والوصاية، وبين السيادة الناقصة والهيمنة المستترة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى