عامالمقالات

السياسة بين الابتزاز والشراكة: منطق ترامب… ورؤية المملكة

لفت نظري صباح اليوم خبر عنوانه: “ترامب يلوّح بسحب القوات الأمريكية من إيطاليا وإسبانيا”، بحجة عدم تقديم المساعدة في الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران.

والحقيقة أن صراحة ترامب، على حدّتها، مطلوبة أحيانًا؛ وعلى قول المثل الشعبي: “في الوجه ولا في القفا”. فهو لا يجمّل السياسة، ولا يضع لها مساحيق دبلوماسية زائدة. يقولها كما يفكر بها: من لم يقف معي في ساعة الأزمة، فلماذا أبقي له مظلة الحماية؟

هنا لا نتحدث عن تصريح عابر، بل عن نافذة تكشف فلسفة كاملة في إدارة التحالفات. فالنموذج الأمريكي، كما يظهر في هذا التصريح، يقوم على تحالفات مشروطة، ودعم مقابل موقف، واستخدام الأزمات لاختبار الولاء. الحليف في هذا المنطق يُقاس بسرعة الاستجابة عند الطلب. ومن يتردد، أو يختار الحياد، أو يحسب مصالحه بطريقة مختلفة، قد يجد نفسه خارج مظلة الحماية أو على الأقل تحت ضغطها.

هذه ليست شراكة بقدر ما هي عقد قابل للفسخ عند أول اختبار. إنها براغماتية قاسية ترى العلاقات الدولية بمنطق الحساب الفوري: ماذا قدمت لي؟ ومتى وقفت معي؟ وكم دفعت من رصيدك السياسي والعسكري في معركتي؟

في المقابل، يبرز النموذج السعودي بمنطق مختلف. المملكة لا تتعامل مع الشراكات كأوراق ضغط مؤقتة، ولا تبني حضورها الدولي على الابتزاز السياسي أو اختبار الآخرين عند لحظة الارتباك. السعودية تتحرك من موقع الدولة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي تصنعه الثقة، والاستقرار، والمصالح المشتركة.

حين تتدخل المملكة في ملفات السلام، كما في اليمن والسودان وغيرهما من الدول الخليجية والعربية، فهي لا تبحث عن صورة عابرة ولا عن ولاء مصطنع، بل عن خفض التوتر، وحماية الإنسان، وفتح مسار سياسي يمنع الانهيار. وحين تستثمر في الدول، أو تدعم اقتصادها، أو تفتح معها مشاريع تنموية، فهي لا تفعل ذلك لتستنزفها، بل لتنهض بها، ولتجعل الاستقرار مصلحة مشتركة لا منّة سياسية.

الفارق هنا واضح:
أمريكا تختبر الحلفاء في الأزمات، والسعودية تبني الشراكات خارج الأزمات.

الأولى تسأل: من وقف معي؟
والثانية تسأل: كيف نمنع الانهيار أصلًا؟

الأولى تستخدم الأزمة مقياسًا للولاء.
والثانية تستخدم التنمية طريقًا لصناعة الثقة.

ولذلك فإن بعض الدول التي تتعامل مع المملكة بمنطق رمادي، أو تقف عند الأزمات موقف المتفرج، أو تمارس انتهازية سياسية في لحظات الحساسية، لا تدرك أن الرياض تقرأ المشهد جيدًا، لكنها لا تمارس السياسة بردود الفعل. المملكة لا تصرخ عند كل خذلان، ولا تهدد عند كل موقف سلبي، لأنها دولة تعرف وزنها، وتدرك أن الكبار لا يحتاجون إلى الصراخ كي يثبتوا حضورهم.

هنا تظهر حكمة السياسة السعودية. فهي لا تبني علاقاتها على الانفعال، ولا تهدم الجسور لمجرد أن طرفًا أخطأ تقدير اللحظة. لكنها في الوقت نفسه لا تنسى. هناك فرق بين الحلم والغفلة، وبين ضبط النفس والتنازل عن المصالح. المملكة تمارس صبر الدولة لا صمت العاجز.

ومن يراقب السياسة السعودية يدرك أنها انتقلت من رد الفعل إلى صناعة الفعل. لم تعد تقبل أن تكون ساحة لصراعات الآخرين، ولا ممولًا لصراعات لا تخدم الاستقرار، ولا طرفًا يُستدعى عند الحاجة ثم يُتجاهل عند القرار.
السعودية اليوم تصنع مركزها، وتبني تحالفاتها وفق مصالحها، وتفتح أبوابها لمن يحترم الشراكة لا لمن يتعامل معها كخزان نجدة.

تصريح ترامب، رغم قسوته، يعلّمنا درسًا مهمًا: الدول الكبرى لا تنسى مواقف الآخرين في لحظات الأزمات. لكنها تختلف في طريقة التعبير عن ذلك. هناك من يلوّح بسحب القوات، وهناك من يعيد ترتيب أولوياته بهدوء. هناك من يعاقب بصوت عالٍ، وهناك من يغيّر خرائط الشراكة بصمت.

وإذا كانت واشنطن تقول لحلفائها: “لم تقفوا معنا”، فإن الرياض تستطيع أن تقول لكثيرين: “وقفنا معكم أكثر مما وقفتم مع الحقيقة”. لكنها لا تقولها بالطريقة ذاتها؛ لأن مشروعها ليس مشروع خصومة، بل مشروع استقرار. وليست غايتها إضعاف الدول، بل مساعدتها على النهوض متى احترمت معنى الشراكة.

السياسة ليست فقط من يقف معك وقت الحرب، بل من لا يطعنك وقت السلام. وليست الشراكة أن تحضر عند المكاسب وتغيب عند المخاطر، بل أن تفهم أن العلاقات بين الدول تُبنى بالوضوح، والاحترام، وحفظ المصالح المتبادلة.

ترامب قالها بطريقته: في الوجه ولا في القفا.
أما السعودية فتقولها بسلوكها: الشراكة ليست ابتزازًا، والسلام ليس شعارًا، والتنمية ليست هدية مجانية لمن لا يحترم موازين المواقف.

ختامًا، ستظل الأزمات تكشف المعادن. هناك دول تختبر حلفاءها بالنار، وهناك دول تصنع من الرماد طريقًا للبناء. وبين النموذجين، تبدو المملكة أكثر اتزانًا؛ لأنها لا تبحث عن تابع، بل عن شريك. ولا تطلب ولاءً أعمى، بل احترامًا متبادلًا. ولا تريد أن تقود العالم بالخوف، بل أن تسهم في إنقاذه من الفوضى.

أمريكا تختبر الحلفاء في الأزمات.
والسعودية تبني الشراكات خارج الأزمات.

وهنا يكمن الفرق بين سياسة تُمسك بالعصا، وسياسة تمد اليد.

عبدالله أحمد الزهراني

عبدالله أحمد الزهراني، رئيس تحرير صحيفة مكة الإلكترونية، حاصل على درجة الماجستير في الاتصال والإعلام الرقمي من جامعة الملك عبدالعزيز، ويُعد من أبرز كتّاب الرأي في الإعلام السعودي المعاصر. يجمع في أسلوبه بين التحليل السياسي العميق والطرح الساخر الواعي، حيث يقدّم مقالات تتناول قضايا الوعي الوطني، والتحولات الإعلامية، والصراعات الدولية، ضمن رؤية فكرية تعكس فهمًا استراتيجيًا لمفهوم “حروب الوعي” وصناعة التأثير في العصر الرقمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى