عامالمقالات

الحج من قوافل الصحراء إلى إدارة الملايين والحشود

الحج ركن من أركان الإسلام الخمسة، يجتمع فيه المسلمون من كل بقاع الأرض في مكة المكرمة لأداء فريضة واحدة. لكن ملامح هذا المشهد تغيرت جذريًا بين الماضي والحاضر. ما كان يُقطع في شهور على ظهور الإبل والقوافل، أصبح اليوم رحلة تُنجز في ساعات بالطائرات. وبين حشود قليلة قبل قرن، إلى ملايين الحجاج اليوم، يروي الحج قصة تحول في النقل والتنظيم وإدارة الحشود.

في بدايات القرن العشرين كان عدد الحجاج محدودًا بسبب صعوبة السفر. عام 1920 بلغ عدد الحجاج الوافدين من الخارج 58,584 حاجًا فقط. ثم ارتفعت الأعداد تدريجيًا مع تحسن وسائل النقل: 100,000 عام 1950، و300,000 في الستينيات، و700,000 في السبعينيات، و900,000 في الثمانينيات. الانفجار الحقي حدث مع الطيران، فوصل العدد إلى 3,161,573 حاجًا عام 2012. وبعد جائحة كورونا التي انخفض فيها العدد إلى 10,000 عام 2020 و58,745 عام 2021، عاد الحج للتعافي 926,000 عام 2022، و1,845,045 عام 2023. أحدث إحصاء رسمي من الهيئة العامة للإحصاء لموسم 1446هـ/2025م سجّل 1,673,230 حاجًا، منهم 1,506,576 من الخارج و166,654 من الداخل. وذكرت الهيئة أن المملكة استضافت أكثر من 95 مليون حاج خلال الخمسين سنة الماضية.

الفرق الأكبر كان في وسائل القدوم. قديمًا كان 80% يصلون بحرًا، و10% برًا، و7% جوًا في موسم 1946-1950، وانتهى استخدام الإبل عام 1950. اليوم انقلبت المعادلة: 95.3% يصلون جوًا، و4.4% برًا، و0.3% بحرًا عام 2025. وفي 2024 وصل 1,435,017 حاجًا عبر المنافذ الجوية، مقابل 66,465 برًا و5,094 بحرًا. هذا التحول هو ما جعل الحج متاحًا لمسلمي العالم كله.

الإنجازات في التنظيم وإدارة الحشود هي الأبرز في العصر الحديث. عام 2025 شارك 420,070 عاملًا من القطاعين العام والخاص لخدمة 1,673,230 حاجًا، و34,540 متطوعًا قدموا 2,134,398 ساعة تطوعية.

ومن أبرز الجهود التنظيمية جهود صاحب السمو الملكي مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل، رئيس لجنة الحج المركزية. لعب سموه دورًا محوريًا في تطوير خطة إدارة الحشود والازدحام المروري في المشاعر المقدسة عبر “خطة تفويج الحجاج” التي تعتمد على توزيع حركة الحجاج زمنيًا ومكانيًا لتفادي التكدس، خاصة في الجمرات وطريق مكة-المشاعر. كما أشرف سموه على مشروعات البنية التحتية المرورية مثل توسعة طرق المشاعر، وأنفاق منى، والجسور العلوية التي ساهمت في انسيابية الحركة وتقليص الاختناقات التي كانت تعيق التنقل سابقًا. وبتوجيهاته تم تفعيل غرفة العمليات الموحدة في إمارة مكة المكرمة التي تنسق بين الجهات الأمنية والخدمية لحظة بلحظة لضبط الحركة المرورية ومعالجة أي طارئ فورًا.

من أبرز إنجازات إدارة الحشود، نظام المسارات والأسوار الذكية في الجمرات الذي يفصل مسار الذهاب عن الإياب ويستوعب 300,000 حاج في الساعة، وقطار المشاعر المقدسة الذي ينقل 72,000 راكب في الساعة، ويربط منى ومزدلفة وعرفات في 20 دقيقة فقط، مما قلل الزحام البري بنسبة كبيرة. كذلك، مركز العمليات الأمنية الموحدة الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي وكاميرات حرارية وتحليل بيانات لحظي لمتابعة كثافة الحشود وتفويجها قبل أي تكدس.

“مبادرة طريق مكة” التي استفاد منها 314,337 حاجًا من 8 دول لإنهاء إجراءات الجوازات والجمارك قبل السفر، مما قلص زمن الانتظار في المطارات إلى دقائق. توسعة الحرم المكي لتصل طاقته الاستيعابية إلى أكثر من مليون مصلٍ في وقت واحد، و350,000 خيمة مكيفة في منى مزودة بأنظمة تبريد وإنذار حريق. كذلك 25 مستشفى و156 مركزًا صحيًا وأكثر من 30,000 ممارس صحي مجهزين لغرف الطوارئ والعناية المركزة داخل المشاعر.

الحج اليوم قصة نجاح في إدارة أكبر تجمع ديني في العالم. تغيّرت الوسائل وتضاعفت الأعداد وتطورت الخدمات، والروح واحدة. التحدي الأكبر هو الموازنة بين التوسعة الكمية والخشوع. ورؤية السعودية 2030 تستهدف 30 مليون حاج ومعتمر سنويًا، ما يعني أن حج المستقبل سيكون أكثر تقنية وتنظيمًا، مع بقاء قيمته في لقاء المسلمين على صعيد واحد في أطهر بقاع الأرض مكة المكرمة.

د. علي محمد الحازمي

خبير وباحث اقتصادي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى