أصبحت ثقافة الإنترنت اليوم أحد أبرز المكونات المؤثرة في حياة الأفراد والمجتمعات، بعد أن تجاوزت الشبكة العالمية دورها التقليدي كوسيلة للبحث عن المعلومات لتتحول إلى فضاء متكامل للتواصل والتعلم والتأثير وصناعة الرأي العام؛ فمع التطور المتسارع لتطبيقات الإعلام الرقمي، برزت أنماط جديدة من التفاعل الإنساني أسهمت في إعادة تشكيل المشهد الإعلامي والثقافي على المستويين المحلي والعالمي.
وتشير ثقافة الإنترنت إلى مجموعة القيم والسلوكيات والممارسات التي نشأت وتطورت في البيئة الرقمية، بما في ذلك أساليب التواصل عبر منصات التواصل الاجتماعي، ومشاركة المحتوى، والتفاعل مع الأخبار والمعلومات، وصناعة المحتوى الرقمي بمختلف أشكاله، مسهمة هذه الثقافة في خلق مجتمعات افتراضية تتجاوز الحدود الجغرافية، ما أتاح فرصاً غير مسبوقة لتبادل المعرفة والخبرات.
في المقابل، شهدت تطبيقات الإعلام الرقمي تطوراً هائلاً خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت المؤسسات الإعلامية تعتمد على التقنيات الرقمية في إنتاج المحتوى ونشره وتوزيعه، مستفيدة من أدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والبث المباشر والوسائط المتعددة؛ في حين برزت منصات رقمية متنوعة أتاحت للأفراد أن يكونوا منتجين للمحتوى إلى جانب كونهم متلقين له، مما عزز مفهوم الإعلام التشاركي.
ومن أبرز آثار ثقافة الإنترنت والإعلام الرقمي تسريع تداول المعلومات والأخبار، وتمكين الجمهور من الوصول إلى مصادر متعددة للمحتوى في أي وقت ومن أي مكان؛ فقد دعمت هذه التطبيقات التعليم الإلكتروني والتجارة الرقمية والخدمات الحكومية الذكية، إضافة إلى تعزيز فرص الابتكار وريادة الأعمال في الاقتصاد الرقمي.
ورغم المزايا العديدة التي توفرها البيئة الرقمية، فإنها تفرض تحديات متزايدة تتعلق بمصداقية المعلومات، وانتشار الأخبار المضللة، وحماية الخصوصية الرقمية، والأمن السيبراني، فضلاً عن الحاجة إلى رفع مستوى الوعي الرقمي لدى مختلف فئات المجتمع، لتبرز في هذا السياق أهمية تعزيز مهارات التفكير النقدي والتحقق من المعلومات، بما يسهم في بناء مجتمع رقمي أكثر وعياً ومسؤولية.
وفي ظل التحول الرقمي الذي تشهده المملكة العربية السعودية ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، تتنامى أهمية الاستثمار في الإعلام الرقمي وتطوير الكفاءات الوطنية القادرة على توظيف التقنيات الحديثة في إنتاج محتوى مهني موثوق، يعكس الهوية الوطنية ويسهم في تعزيز التنمية المستدامة؛ مؤكدة المؤشرات العالمية أن مستقبل الإعلام سيكون أكثر ارتباطاً بالتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، ما يجعل ثقافة الإنترنت عنصراً أساسياً في تشكيل الوعي المجتمعي وصناعة المعرفة.. ومن ثم فإن بناء بيئة رقمية آمنة وواعية ومواكبة للتطورات التقنية أصبح ضرورة استراتيجية لضمان الاستفادة المثلى من الفرص التي يتيحها العصر الرقمي، وتعزيز دور الإعلام في خدمة المجتمع والتنمية.
0


