الجودة تصنع النجاح… والحوكمة تحميه وتضمن استمراره
ان مشكلة الكثير منا ليس باننا لا نعرف الجودة أو الحوكمة بل أننا نتحدث عنهما أكثر مما نمارسهما ! ! حتى أصبح كثير من المؤسسات والشركات يستخدم المصطلحين وكأنهما يؤديان المعنى نفسه ويظن أن وجود أحدهما يعني بالضرورة تحقق الآخر.
لكن الحقيقة أن بينهما فرقًا جوهريًا..
فالجودة تهتم بكيفية تقديم العمل وتحسين نتائجه بينما تهتم الحوكمة بكيفية إدارة ذلك العمل وضبطه وحمايته من الارتجال وتضارب المصالح والاعتماد على الأفراد…
ولهذا نجد مؤسسات تحمل أعلى شهادات الايزو ويعلقونها على جدرانها وأروقتها لكنها ما زالت تعاني تضارب الصلاحيات وضعف المساءلة وغياب الشفافية واعتمادها الكبير على أشخاص بعينهم فإذا غاب الشخص غاب معه جزء كبير من النجاح فتسمع كثيراً (ان هذا الملف ما يعرف له إلا فلان او اسألوا فلان عن هذا الملف )….الخ
فالجودة تسأل عدة اسئله
هل أُنجز العمل بالشكل الصحيح؟
وما هي احتياجاته وتوقعات المستفيدين الحقيقية؟
هل المنتج او الخدمة مطابقة للمواصفات؟
وهل تم التصميم والتنفيذ بدقة؟
وما هي المؤشرات التي تدل على نجاح العمليات؟
ما هي الأخطاء أو العيوب في المنتج او الخدمة ؟
كيف نطور ونحسن باستمرار؟
والحوكمة تطرح ايضاً عدة أسئلة لكنها أكثر عمقًا ؟؟؟
هل أُنجز العمل بالطريقة الصحيحة؟
وهل نُفذ وفق صلاحيات واضحة؟
وهل يمكن تتبع القرار ومراجعته؟
وهل يستطيع من يأتي بعد ذلك أن يحقق النتيجة نفسها دون أن يبدأ من الصفر؟
هنا يكمن الفرق الحقيقي…
فقد تجد شركة تقدم خدمة متميزة وسريعة وتحظى برضا المستفيدين لكن نجاحها قائم على خبرات أفراد واجتهاداتهم الشخصية لا على إجراءات واضحة أو مسؤوليات محددة أو معرفة مؤسسية محفوظة…في هذه الحالة نستطيع أن نقول إن الجودة موجودة…لكن الحوكمة ما زالت غائبة.
وفي المقابل…قد تجد شركة أخرى تفيض باللوائح والإجراءات وسلاسل الاعتماد والتواقيع والنماذج لكنها تعجز عن تقديم خدمة مرنة وسريعة ويخرج منها المستفيد مثقلًا بالإجراءات أكثر من استفادته من الخدمة وجودتها
هنا … (حضرت الحوكمة في شكلها وغابت الجودة في أثرها)
ومن هنا نفهم أن الجودة والحوكمة ليستا طريقين منفصلين بل مساران متكاملان يلتقيان في هدف واحد هو بناء مؤسسة ناجحة ومستدامة تطير بجناحين للنجاح والتميز
والبعض يعتبرهما مجازاً أنهما وجهان لعملة واحدة
فالجودة تهتم بالنتائج…
والحوكمة فتهتم بالطريق الذي يوصل إلى تلك النتائج .
الجودة تقيس الأداء
والحوكمة تضبط الأداء
الجودة تبحث عن التحسين المستمر…
والحوكمة تضمن أن يكون هذا التحسين قائمًا على منهجية واضحة لا على اجتهادات مؤقتة أو حلول ترتبط بأسماء أشخاص.
فالجودة تُبنى بالتحسين لجميع مراحل العمل وتحقيق رغبات ورضا العملاء الداخليين والخارجيين
والحوكمه مجموعة القواعد والقوانين والإجراءات التي تنظم العمل وتحدد المسؤوليات لضمان اتخاذ قرارات صحيحة تحقق الشفافية والعدالة والمساءلة داخل أي مؤسسة أو شركة.
والجودة تدفع المؤسسة إلى التطور…
والحوكمة فتمنع هذا التطور من الانحراف أو الفوضى.
وباختصار نستطيع القول …
ان المنظمات لا تُقاس بقدرتها على النجاح مرة واحدة فقط وإنما بقدرتها على تكرار النجاح بالمستوى نفسه بل وأكثر منه مهما تغيرت الظروف أو الأشخاص.
ولهذا إذا سعت الشركات للريادة والتميز فلا تنظر إلى الجودة باعتبارها إدارة مستقلة ولا إلى الحوكمة باعتبارها جهة رقابية بل تنظر إليهما باعتبارهما منظومة واحدة
فالأولى تصنع التميز… والثانية تحميه.
فالجودة بلا حوكمة قد تحقق نجاحًا سريعًا لكنه يظل نجاحًا هشًا معرضًا للتراجع بمجرد غياب أصحابه.
والحوكمة بلا جودة قد تنتج شركة منضبطة في إجراءاتها لكنها بطيئة في خدماتها بعيدة عن تطلعات المستفيدين والعملاء على جميع مستوياتهم
ولعل أبسط مثال على ذلك قائد فريق يحقق نتائج استثنائية بفضل خبرته الشخصية فيصفق له الجميع لإنجازاته ويشيدون بجودة العمل لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس أثناء وجوده بل وقت غيابه …
هل سيستمر النجاح؟
إذا كانت الإجابة لا … فالمشكلة لم تكن في جودة الأداء وإنما في غياب الحوكمة التي تحوّل النجاح من موهبة فرد إلى ثقافة مؤسسة ومن تجربة شخصية إلى نظام عمل مستدام تغلب عليه الشفافيه والمساءلة والامتثال …الخ
واليوم وفي عالم الأعمال لم يعد معيار تميز المؤسسات هو قدرتها على الإنجاز فقط بل قدرتها على إعادة الإنجاز بالكفاءة نفسها في كل مرة ومع كل فريق وتحت أي قيادة وتحت اي ظروف ومخاطر محتملة
فهذا هو الفرق بين شركة تنجح… وشركة تبقى ناجحة ومستمرة في الصعود عاما بعد عام
وفي زمن أصبحت فيه المنافسة لا تُقاس بمن يقدم الخدمة بشكل يوفي متطلبات ورضا العملاء بل بمن يحافظ على مستواها مع عدم اعتبار الجودة رفاهية إدارية وان الحوكمة مجرد التزام نظامي بل أصبحتا أساسًا لا غنى عنه لاستدامة النجاح.
فالجودة تصنع النجاح…والحوكمة تمنع سرقته.
الجودة تحقق الإنجاز…والحوكمة تحفظ هذا الإنجاز.
الجودة تبني الثقة…والحوكمة تحمي هذه الثقة.
وحين تجتمعان لا تحقق الشركات نجاحًا عابرًا بل تؤسس لنجاح يتكرر ويستمر ويصمد أمام تغير الأشخاص وتعاقب الإدارات.
فالشركات العظيمة لا تعتمد على أشخاص يصنعون النظام … بل تعتمد على نظام يصنع أشخاصًا قادرين على صناعة النجاح والتحسين المستمر فيه وبجودة عالية تفوق التوقعات
ولنا في رؤية المملكة 2030 بقيادة سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان حفظه الله ورعاه وسدد خطاه خير شاهد إذ تم حوكمة الرؤية منذ بدايتها بالاضافة إلى أن الرؤية وضعت الحوكمة في قلب مسيرة التنمية وجعلتها ثقافة تُدار بها المؤسسات وأداةً لتعزيز الشفافية وترسيخ مبدأ المساءلة ورفع كفاءة الأداء وصناعة مستقبل أكثر استدامة
فالمستقبل لا تصنعه الإنجازات وحدها بل تصنعه الأنظمة التي تحمي تلك الإنجازات وجودتها وتضمن استدامتها
ولضمان استمرار النجاح والتميز للشركات لابد أن تعتبر كليهما ( الجودة والحوكمة )إجباراً وليس خياراً
• ماجستير ادارة الجودة الشاملة
