كتاب الرأي

الدكتور راشد الراجح.. حين كانت القيادة تبتسم لطلابها

هناك أشخاص يغادرون مناصبهم، ثم يطويهم الزمن، وهناك آخرون يرحلون عن الدنيا، لكنهم يبقون أحياء في ذاكرة من عرفهم؛ لأنهم تركوا أثرًا لا تمحوه السنوات. ومن هؤلاء الدكتور راشد الراجح رحمه الله، أول مدير لجامعة أم القرى، وأحد الرواد الذين أسهموا في بناء هذا الصرح العلمي العريق، ووضعوا اللبنات الأولى لمسيرته الأكاديمية.

تشرفت بأن أكون أحد طلاب جامعة أم القرى، وتخرجت منها في مرحلة البكالوريوس عام 1414هـ، وكان ذلك في فترة إدارة الدكتور راشد الراجح رحمه الله. وعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاثة عقود، فما زالت بعض المواقف الإنسانية التي عايشناها معه حاضرة في ذاكرتي وكأنها حدثت بالأمس.

ومن أجمل تلك المواقف، أنه في أيام الاختبارات النهائية كان يحرص، برفقة عدد من مساعديه، على المرور على قاعات الاختبارات لتفقد أحوال الطلاب. لم يكن حضوره مجرد جولة إدارية أو إجراء روتيني، بل كان يقف بين أبنائه الطلاب، يصافحهم، ويبتسم في وجوههم، ويطمئن عليهم، فتنعكس تلك الابتسامة على نفوسهم، وتخفف عنهم رهبة الاختبارات، وتزرع في قلوبهم السكينة والثقة.

وربما لم يكن يدرك رحمه الله أن تلك الابتسامات العابرة، والكلمات الهادئة، ستظل راسخة في ذاكرة طلابه كل هذه السنوات. فالقائد الحقيقي لا يُقاس بما يصدره من قرارات فحسب، بل بما يتركه من أثر في نفوس من يقودهم.

لقد تعلمنا منه أن الإدارة ليست منصبًا، وإنما رسالة، وأن المسؤول الناجح هو من يكون قريبًا من الناس، يشعر بهم، ويشاركهم همومهم، ويحرص على دعمهم نفسيًا قبل أن يطالبهم بالتميز علميًا.

واليوم، كلما تذكرت تلك الأيام، أدركت أن بعض الذكريات لا تبقى لأنها كانت أحداثًا كبيرة، وإنما لأنها كانت مواقف صادقة خرجت من قلوب مخلصة. وما زلت أذكر ابتسامة الدكتور راشد الراجح رحمه الله في قاعات الاختبارات أكثر مما أذكر أسئلة كثير من تلك الاختبارات، وهذا بحد ذاته درس عظيم في أثر الأخلاق والإنسانية في العمل القيادي.

رحم الله الدكتور راشد الراجح رحمةً واسعة، وجزاه خير الجزاء على ما قدمه لجامعة أم القرى ولطلابها، وجعل علمه وعمله وأثره الطيب في ميزان حسناته. وسيظل اسمه حاضرًا في ذاكرة كثير من خريجي الجامعة الذين عرفوه قائدًا قريبًا من طلابه، وإنسانًا سبق منصبه بأخلاقه، فاستحق أن يبقى ذكره جميلًا بعد رحيله.

د. عبدالرحمن حسن جان

دكتوراه في علم الاجتماع، وباحث في القضايا الأسرية والاجتماعية، مهتم بدراسة التحولات الاجتماعية وتعزيز الوعي الأسري والاستقرار النفسي والاجتماعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى