
السلام في رؤية المملكة ليس غياب الحرب فحسب، وإنما بناء منظومة تمنع الحرب قبل وقوعها، وتجعل كلفة الاعتداء أعلى من مكاسبه، وتفتح في الوقت نفسه أبواب الحوار أمام كل فرصة يمكن أن تقود إلى التهدئة والاستقرار.
ومن هنا يمكن قراءة «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» التي وقعتها المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية في مكة المكرمة، بإعتبارها خطوة تتجاوز مفهوم التعاون الدفاعي إلى تعزيز منظومة الردع التي تحمي الأمن والاستقرار وتحد من احتمالات الانزلاق إلى مواجهات جديدة.
فالسلام لا تحميه النوايا وحدها، كما أن امتلاك القوة لا يعني البحث عن الحرب. وتجارب الدول تؤكد أن الردع يمكن أن يكون وسيلة لمنع الصراع، مثلما يكون الحوار والوساطة وسيلتين لتفاديه أو إنهائه.
وهذه المعادلة تظهر بوضوح في السياسة السعودية خلال المرحلة الراهنة. ففي الوقت الذي تؤكد فيه المملكة ضرورة بناء قدرات تحمي أمنها وشركاءها، تواصل الدفع نحو الحوار وخفض التصعيد. وقد تجلى ذلك في الاتصال الهاتفي بين سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأمريكي دونالد ترمب، حين أكد سموه، وفق بيان وكالة الأنباء السعودية، ضرورة تغليب لغة الحوار، وبذل الجهود الممكنة لتحقيق التهدئة والوصول إلى حلول دبلوماسية تمنع الانجرار إلى صراع أوسع.
ثم جاءت شهادة الرئيس الأمريكي نفسه لتكشف جانبًا أكثر تفصيلًا من ذلك الاتصال، عندما تحدث عن تفضيل ولي العهد التوصل إلى اتفاق مع إيران على الخيار العسكري، والتحذير من أن الهجمات قد تقود إلى تداعيات ونتائج غير محسوبة.
وعند وضع هذا الموقف إلى جوار «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، تتضح معالم رؤية متوازنة: الحوار لتجنب الحرب، والردع لمنع الاعتداء، والقوة لحماية السلام لا لإشعال الصراع.
ويمنح اختيار مكة المكرمة لاحتضان القمة وتوقيع الاتفاقية دلالة إضافية؛ فالمدينة التي شهدت عبر التاريخ لقاءات وقممًا إسلامية مفصلية، تشهد اليوم اتفاقًا بين ثلاث دول ذات ثقل إقليمي وإسلامي، يربط نصه بوضوح بين التعاون الدفاعي وبين تحقيق الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة والعالم.
لقد أثبتت التجارب أن السلام الذي لا تحميه موازين القوة يبقى هشًا، وأن القوة التي لا تضبطها الحكمة قد تتحول إلى مصدر للصراع. وبين الاثنين تتشكل السياسة الرشيدة: قوة تردع، ودبلوماسية تحاور، وقيادة تعرف متى تستخدم كل أداة.
وهنا تتجلى رسالة مكة اليوم:
لسنا أمام اختيار بين السلام والقوة، بل أمام قوة تحمي السلام، وسلام تمنحه الحكمة فرصة البقاء.







