المقالات

الاحتراق الوظيفي ووهم الإنجاز

أن يجلس الموظف في مكتبه بعد أن انتهت طاقته الحقيقية على الإنجاز بساعات، لا لأنه يصنع شيئًا ذا قيمة، بل لأنه ينتظر أن يُقال عنه إنه مجتهد، أو لأنه يراقب رئيسه أو زميله المجاور يتساءل في صمت: متى ينصرف هذا حتى أنصرف أنا؟ هذه اللحظة المتكررة في مكاتب لا تُحصى حول العالم تختصر واحدة من أكبر مغالطات ثقافة العمل المعاصرة، وهي الخلط بين طول الحضور وحقيقة الإنتاج. الموظف الذي يبقى متأخرًا قد لا يكون الأكثر عطاءً، وربما كان في جوهره إنسانًا استُنزفت قواه وانطفأت فيه شعلة الإبداع، فصار يبيع من وقته ما لم يعد قادرًا على بيعه من طاقته.
وللعقل البشري سقفٌ لا يتجاوزه في الإنتاج المُجدي، إذ تكشف البحوث العلمية أن تجاوز ساعات معينة لا يضيف إلى المنجز بل ينتقص منه.
في دراسة للاقتصادي جون بنكافيل من جامعة ستانفورد، تبيّن أن إنتاجية الساعة تنحدر انحدارًا حادًا بعد عتبة معينة من ساعات العمل الأسبوعية، حتى إن من يعمل سبعين ساعة لا يكاد ينتج عمليًا أكثر ممن يعمل خمسين ساعة، فالساعات الزائدة تذهب هدرًا. هذا ما يفسّر تلك الظاهرة الغريبة من أن موظفين يقضون أوقاتًا طوالًا وقد فقدوا القدرة على العطاء، لكنهم يتأخرون كي تُكتب لهم صفة الإنجاز، وكي ينالوا في عيون رؤسائهم ما لا يستحقونه من تقدير.
ولهذا الإرهاق المتراكم اسمٌ صار اليوم تشخيصًا معترفًا به، هو الاحتراق الوظيفي، الذي أدرجته منظمة الصحة العالمية ضمن تصنيفها الدولي للأمراض بوصفه ظاهرة مهنية ناتجة عن ضغط مزمن لم تُحسن المؤسسات إدارته.
وقد حذّرت دراسات طبية واسعة من خطر هذا الاستنزاف على الجسد نفسه، فمن يعملون خمسًا وخمسين ساعة فأكثر أسبوعيًا ترتفع لديهم مخاطر السكتة الدماغية وأمراض القلب ارتفاعًا ملموسًا مقارنة بمن يلتزمون ساعات معتدلة. والعمل الذي تجاوز حدّه لم يعد طريقًا إلى الرزق، بل صار سبيلًا إلى المرض، يأكل من عمر صاحبه ما ظنّ أنه يدّخره من مال.
ان ما يُصيب الجسد يمتد أثره حتمًا إلى الأسرة، فالموظف المنهك يعود إلى بيته وقد استُهلكت طاقته، فلا يجد لأبنائه ابتسامة، ولا لزوجته حديثًا، ولا لذاته سكينة، وتشير أبحاث عالمة الاجتماع آرلي هوكشيلد إلى أن العمل حين يبتلع وقت الإنسان تنقلب المعادلة، فيصير البيت عبئًا والمكتب ملاذًا، وتتآكل الروابط التي من أجلها كان يعمل أصلًا، وهنا تبرز المفارقة الموجعة، حيث يكدّ المرء بدعوى تأمين مستقبل أسرته، فإذا به يخسر حاضرها، ويفقد من اللحظات ما لا يُشترى بمال، ومن قرب أبنائه ما لا يُعوّضه منصب.
ولعل أبلغ ما يكشف زيف هذه الثقافة تلك التجارب التي خاضتها دول ومؤسسات حين قصّرت ساعات العمل، ففي آيسلندا جرّبت جهات عدة تقليص أسبوع العمل دون المساس بالأجر، فلم تتراجع الإنتاجية بل بقيت على حالها أو ارتفعت، وتحسّنت صحة العاملين ورضاهم تحسنًا واضحًا، وفي تجارب يابانية مماثلة رفع خفضُ أيام العمل الإنتاجيةَ بنسب لافتة.
هذه النتائج تهدم من أساس الوهمَ القائل إن القيمة في طول المكوث، وتؤكد أن العبرة بجودة الساعة لا بعددها، وأن الراحة ليست ضد العمل، بل شرطٌ من شروط إتقانه.
فمن هو الموظف الجيد إذن؟ ليس ذاك الذي يطفئ أنوار المكتب آخر الجميع، وإنما من يُحسن إدارة طاقته كما يُحسن إدارة وقته،هو من يدرك أن للنوم حقًا لا يُؤجَّل، وقد بيّنت الدراسات أن قلة النوم تُضعف التركيز والذاكرة وتُفسد القرارات إفسادًا يضاهي أثر الإرهاق التام، وهو من يصون لأسرته نصيبها من يومه، ويُبقي لعلاقاته الاجتماعية مكانًا في جدوله، ويمنح جسده ما يستحق من رياضة وسكون. إنه إنسان متوازن، يعمل حين يعمل بحضور كامل وذهن صافٍ، ثم ينصرف بضمير مرتاح غير عابئ بمن يراقبه، لأنه يقيس نفسه بما أنجز لا بما مكث.
إن بناء بيئة عملٍ سليمة يبدأ من تصحيح هذا المفهوم المغلوط، ومن إعلاء قيمة الإنتاج على المظهر، والكفاءة على المكوث. لان المؤسسات التي تكافئ الحضور الطويل تكافئ في الحقيقة الاستنزاف، وتعاقب الأذكياء الذين ينجزون عملهم في وقته، والأمم التي تريد لاقتصادها أن ينهض ولأسرها أن تتماسك عليها أن تُربّي أجيالها على أن الإنسان أولًا، وأن العامل ليس آلة تُقاس بساعات تشغيلها، بل روحٌ تُزهر حين تُمنح حقها من العمل والراحة معًا. فالحياة لم تُخلق لتُختصر في مكتب، والعمل إنما وُجد ليخدم الحياة لا ليبتلعها، وهنا تكمن جودة الحياة.
ويبقى لكلٍّ واحد منا أن يقف مع نفسه وقفة صادقة: هل أهمل أسرته على حساب عمله؟ بل هل أسّس أصلًا أسرةً يجدها ترعاه يوم يترك العمل أو يتركه العمل؟ ولهذا، دعونا نعيد تعريف الإنجاز على ضوء ذلك.

د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري

وزير الثقافة و الإعلام السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى