المقالات

إخفاق المنتخب وإصلاح المنظومة الرياضية

تحتل الرياضة زاوية مهمة من النشاطات الاجتماعية التي تمارسها الشعوب، وكانت ولا تزال المتنفس الأول للترفيه، وبالأخص كرة القدم التي شغلت العالم بالمتابعة المستمرة للبطولات العالمية والقارية والإقليمية.

وأصبح النشاط الرياضي، الذي انصب معظمه على رياضة كرة القدم، مرتبطًا بإعلام الدول وأسمائها، بل تُعزف الأناشيد الوطنية قبل المباريات، وهذا أكبر الأدلة على أن المنتخب الوطني يمثل الوطن، وأن فوزه يعد شاهدًا ومعبرًا عن التقدم في هذا المجال الرياضي ككل، وأن إخفاقه يصيب الوطن كله بالحزن والألم.

لقد أصبح الترتيب العالمي في كرة القدم مجالًا تنافسيًا كبيرًا تسعى الدول من خلاله إلى تحقيق الإنجازات، للتقدم عالميًا، ورفع اسم الدولة، والتسويق لها ولإمكاناتها السياحية والاجتماعية. ولو نظرنا إلى عوائد تلك الإنجازات ماديًا لوجدنا أنها تمثل جزءًا بسيطًا من تكاليف اللعبة والدعم المالي، إلا أن ما تحققه من سمعة وتعريف بالدول يعد أقوى وسائل التسويق في العصر الحالي، وهذا الأمر تعلمه جميع الدول وتضعه نصب أعينها.

وبرغم عناية المملكة -رعاها الله- بهذا المجال، والدعم اللامحدود الذي تتلقاه المؤسسات الرياضية، إلا أن الفشل مستمر، والمنتخب السعودي لا يزال لا يعكس واقع ذلك الدعم والاهتمام. وفي كل مرة ينبري بعض منتسبيه للاعتذار، وكأن المسألة خطأ شخصي، والحقيقة أن الإخفاق لا يحتاج إلى اعتذار مسؤول أو لاعب، وإنما إلى إعادة نظر شاملة في كافة عناصر ومكونات المنظومة الرياضية، وإحداث إصلاح فعلي يحل المشكلات ويقضي على العقبات التي تحول دون التقدم في الإنجازات الوطنية لكرة القدم.

والحقيقة أن وزارة الرياضة اجتهدت في وضع الخطط الاستراتيجية للنهوض بكرة القدم، وتجلى ذلك في مشروع تطوير الدوري السعودي، فأحدث له نقلة كبيرة تقدم بها في الترتيب العالمي على كثير من الدوريات الأوروبية والقارية، ولكن لم يقابل ذلك تطور في مستوى المنتخب الوطني، بل تردى مستواه إلى درجات لا تليق باسم المملكة ومكانتها، فأصبح في مراتب متأخرة خلف دول تقل في دعمها للرياضة بكثير.

واتضح من المشاركة في كأس العالم، التي انتهت بالأمس، أن المنتخب السعودي واصل إخفاقاته المتكررة، ولم يعد منافسًا شرسًا على البطولات كما كان في حقبة زمنية سابقة.

ورغم أن المحللين الرياضيين والمهتمين قد شخصوا هذه المشكلة ووضعوا لها حلولًا جذرية، إلا أن الوضع لا يزال كما هو، فاللاعب السعودي لم يستفد الاستفادة الصحيحة من وجود اللاعبين العالميين في الدوري، والجوانب الداعمة لمهارات اللاعبين وبنيتهم ضعيفة. هذا ناهيك عن المشاركة المحدودة، حيث يحتل اللاعبون الأجانب ثمانية مقاعد في تشكيلة الفرق الرياضية.

وليست المشكلة محصورة في ذلك فحسب، بل في ضعف الفئات السنية، وندرة المواهب، وضعف الرياضة المدرسية، وعوامل أخرى يجب أخذها في الحسبان.

إن الإخفاق، برغم مراراته، يعد أكبر الدوافع نحو الإصلاح، لأن الإصلاح عملية مهمة جدًا لنجاح أي قطاع، ولتلافي الأخطاء والعيوب، ومن خلاله يمكن إعادة ترتيب الأداء في المنظومة الرياضية ككل.

ومن خطواته المهمة البدء بالتقييم الشامل للخطط والبرامج الحالية، ومحاولة استنساخ ومحاكاة النماذج الناجحة، فلا يوجد حرج في محاكاة التجربة اليابانية في ابتعاث الفئات السنية، والتجربة المغربية في الاحتراف الخارجي، والتجارب الأخرى التي أثبتت نجاعتها، وتقدمت من خلالها المنتخبات الوطنية إلى مراكز عالية في الترتيب العالمي. والمحاكاة تعد إحدى أدوات التطوير، كما أن المقارنة المرجعية بالمنظومات الناجحة تمثل أقوى خطوات الإصلاح.

إن بناء استراتيجيات التطوير، وبخاصة في كرة القدم، يحتاج إلى الخبراء في مجال اللعبة، والأكاديميين المتخصصين في التخطيط الاستراتيجي. فليس عيبًا أن تشخص أخطاءك وتبدأ بإصلاحها، وإنما العيب أن تستمر في رحلة الإخفاق سنوات وسنوات حتى تندثر اللعبة ويتلاشى الشغف بها.

ومضة:

تجارب الفشل هي ذاتها بذور النجاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى