بقلم – أ.د. بكري عساس
من قضية «في الشعر الجاهلي» إلى أشهر السجالات الأدبية العربية… كيف أسهم الجدل الفكري في إثراء الثقافة العربية؟
بقلم: بكري بن معتوق عساس
لم يكن تاريخ الأدب العربي تاريخًا من الإجماع بقدر ما كان تاريخًا من الحوار والاختلاف. فكثير من الأفكار الكبرى لم تولد في أجواء التوافق، وإنما خرجت من رحم الجدل، وكثير من المدارس الأدبية لم تفرض حضورها إلا بعد معارك فكرية طويلة. فالاختلاف، حين تحكمه المعرفة وأدب الحوار، لا يهدم الثقافة، بل يعيد تشكيلها ويمنحها القدرة على التجدد. ومن أشهر تلك المعارك القضية التي أثارها طه حسين بعد صدور كتابه «في الشعر الجاهلي»، والتي تحولت من نقاش أكاديمي إلى محطة فارقة في تاريخ حرية البحث العلمي.
في ربيع عام 1927 وقف عميد الأدب العربي، طه حسين، أمام النيابة المصرية بعد صدور كتابه «في الشعر الجاهلي» عام 1926، الذي أثار واحدة من أشهر المعارك الفكرية والأدبية في التاريخ العربي الحديث. وكان الكتاب ثمرة تأثره بالمناهج النقدية الحديثة التي اطّلع عليها خلال دراسته في فرنسا، حيث طرح سؤالًا بدا بسيطًا في ظاهره، لكنه كان عميق الأثر في نتائجه: هل وصل إلينا الشعر الجاهلي كما قيل، أم أن قسمًا منه صيغ بعد الإسلام ثم نُسب إلى شعراء الجاهلية لأغراض سياسية أو قبلية أو لغوية؟
لم يكن طه حسين أول من ناقش بعض الروايات التراثية، لكنه كان من أوائل من طبّق المنهج التاريخي النقدي بصورة منهجية على التراث الأدبي العربي، الأمر الذي أثار اعتراضات واسعة، إذ رأى خصومه أن بعض استنتاجاته تجاوزت حدود البحث الأدبي إلى التشكيك في روايات تاريخية ودينية.
وسرعان ما غادر الجدل أسوار الجامعة إلى الصحافة والبرلمان والشارع، وتحولت قضية أكاديمية إلى قضية رأي عام. وكانت مصر آنذاك تعيش مرحلة دقيقة بعد ثورة 1919، بين طموحات التحديث وقوة المرجعيات التقليدية، فأصبحت القضية رمزًا للصراع بين التجديد والمحافظة.
استدعت النيابة طه حسين للتحقيق، وبعد دراسة الكتاب والاستماع إلى أقواله، انتهت إلى قرار تاريخي بحفظ القضية، إذ رأت أنه لم يقصد الإساءة إلى الدين، وإنما مارس حقه كباحث في تطبيق منهج علمي على مادة تاريخية وأدبية، وأن الاختلاف مع نتائجه لا يبرر تجريمه.
ومع مرور قرابة قرن على تلك الواقعة، لم تعد القضية تدور حول صحة بعض القصائد الجاهلية بقدر ما أصبحت تدور حول سؤال أكبر: هل توجد مناطق محصنة ضد البحث العلمي؟ وما حدود حرية الأستاذ الجامعي في مساءلة الروايات الموروثة؟
ولم تكن هذه الواقعة استثناءً؛ فقد عرف الأدب العربي معارك شهيرة، منها السجال بين العقاد والرافعي، والخلافات الفكرية بين طه حسين والرافعي، ومعارك العقاد والزيات، ثم الجدل الذي رافق ظهور الشعر الحر على يد نازك الملائكة وبدر شاكر السياب، وما أثارته كتابات أدونيس حول الحداثة. وقد أسهمت هذه السجالات، على اختلافها، في إثراء الحياة الثقافية، لأنها دفعت إلى مراجعة الأفكار، ووسعت آفاق الحوار، ورسخت تقاليد النقد الأدبي.
إن المجتمعات الحية لا تخشى السؤال، بل تخشى غيابه. فحرية البحث العلمي لا تعني التسليم بكل رأي، كما أن احترام الثوابت لا يعني إغلاق باب الاجتهاد. وبين هذين الحدين تنمو المعرفة، وتتقدم الجامعات، وتزدهر الحضارات.
ولهذا بقيت قضية طه حسين أكثر من حادثة قضائية؛ لقد أصبحت رمزًا لمعركة الفكر مع الجمود، وللحق في أن يسأل الباحث، وأن يناقش، وأن يجتهد، مع بقاء النقد العلمي خاضعًا لقواعد المنهج، والحوار محكومًا بأدب الاختلاف واحترام المعتقدات.



