المقالات

المنتخب السعودي بين المدرب الوطني وصناعة المواهب

لا يمكن الحديث عن الإنجازات التاريخية للمنتخب السعودي لكرة القدم دون التوقف عند الدور الكبير الذي لعبه المدرب الوطني في العديد من المحطات المضيئة. فقد حقق المنتخب السعودي خلال العقود الماضية نتائج لافتة في بطولات كأس آسيا وكأس الخليج، كما نجح في الوصول إلى نهائيات كأس العالم في مناسبات مختلفة، وكان للمدرب الوطني حضور مؤثر في عدد من تلك الإنجازات.

ففي حقبة الثمانينيات والتسعينيات برزت أسماء وطنية مثل خليل الزياني، الذي قاد المنتخب لتحقيق كأس آسيا عام 1984، كما كان للمدربين الوطنيين أمثال ناصر الجوهر وحسن سلطان وغيرهم إسهامات مهمة في تطوير المنتخب وقيادته في مراحل مختلفة. ويعود جانب من نجاح المدرب الوطني إلى معرفته الدقيقة بطبيعة اللاعب السعودي، وإدراكه لخصائصه الفنية والنفسية، وقدرته على التواصل معه وتحفيزه ورفع معنوياته، فضلاً عن فهمه للبيئة الرياضية المحلية ومتطلباتها.

وفي المقابل، ورغم ما يملكه العديد من المدربين الأجانب من خبرات فنية كبيرة، إلا أن بعضهم يحتاج إلى وقت طويل لفهم عقلية اللاعب السعودي وإمكاناته، كما أن تغيير الأجهزة الفنية بشكل متكرر ينعكس سلباً على الاستقرار الفني للمنتخب.

ومن جانب آخر، فإن التوسع الكبير في عدد اللاعبين الأجانب داخل الأندية السعودية، خصوصاً في الفرق الكبرى، أسهم في تقليص فرص مشاركة اللاعبين السعوديين بصورة منتظمة. فعندما يشغل اللاعبون الأجانب معظم المراكز الأساسية، تتراجع دقائق اللعب المتاحة للمواهب الوطنية، الأمر الذي ينعكس على جاهزية المنتخب ومستوى المنافسة بين اللاعبين المحليين.

لقد أثبتت تجارب كرة القدم العالمية أن تطور المنتخبات الوطنية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمنح اللاعبين المحليين فرصاً حقيقية للمشاركة. فاليابان وكوريا الجنوبية، على سبيل المثال، أولتا اهتماماً كبيراً ببناء اللاعب المحلي وتطوير الفئات السنية، فكانت النتيجة حضوراً دائماً ومنافسة قوية في المحافل القارية والعالمية. كما أن العديد من المنتخبات الأوروبية تعتمد على برامج اكتشاف المواهب وصقلها منذ سن مبكرة، مع منح اللاعبين الشباب فرصاً متدرجة للظهور في المنافسات المحلية.

وفي المملكة العربية السعودية شهدت الكرة السعودية في فترات سابقة بروز أسماء لامعة صنعت الفارق مع المنتخب والأندية، وذلك نتيجة حصولها على فرص اللعب والتطور بشكل مستمر. أما اليوم، فإن المحافظة على مستوى المنتخب تتطلب إعادة النظر في آليات دعم اللاعب السعودي، والتوازن بين الاستفادة من اللاعب الأجنبي وبين توفير فرص كافية للمواهب الوطنية.

إن الاستثمار الحقيقي في مستقبل الكرة السعودية يبدأ من الاهتمام بالفئات السنية، وتطوير الأكاديميات، ومنح اللاعبين السعوديين فرصاً أكبر للمشاركة في الدوري المحلي، لأن المنتخب القوي لا يُصنع في المعسكرات القصيرة فقط، بل يُبنى على مدار سنوات من الإعداد والتطوير والمنافسة المستمرة. وعندما يجد اللاعب السعودي البيئة المناسبة للنمو والاحتكاك واكتساب الخبرة، فإن ذلك سينعكس إيجاباً على مستوى المنتخب ونتائجه، ويعيد للكرة السعودية قدرتها على صناعة النجوم وتحقيق الإنجازات.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى