بقلم – أ. بكري بن معتوق عساس
ليس الوطن فندقًا نغادره إذا ضاقت بنا الأحوال، ولا محطةً عابرة نتنقل بينها، بل هو ذاكرة الأجداد، ومهد الطفولة، ومستقبل الأبناء. وحين يضعف الشعور بالانتماء تبدأ الأمم في فقدان مناعتها، لأن الأوطان لا يحرسها السلاح وحده، وإنما يحرسها الضمير الحي.
وقد جسّد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى عندما غادر مكة مكرهًا فقال: «والله إنكِ لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت». فحب الوطن قيمة إنسانية أصيلة، لا تتعارض مع الدين، بل يزكيها الوفاء والعمل الصالح.
والتاريخ شديد القسوة في أحكامه؛ فهو قد ينسى أسماء المنتصرين، لكنه لا ينسى من خان وطنه. فقد ارتبط اسم بندكت أرنولد في التاريخ الأمريكي بالخيانة بعدما انقلب على بلاده أثناء حرب الاستقلال، فأصبح اسمه مرادفًا للخائن. وكذلك ارتبط اسم فيدكون كفيزلينغ في النرويج بالتعاون مع الاحتلال النازي، حتى دخل لقبه في عدد من اللغات بمعنى الخائن والمتعاون مع العدو. لقد نال هؤلاء مكاسب مؤقتة، لكنهم خسروا احترام التاريخ.
وفي المقابل، خلد التاريخ رجالًا ونساءً آثروا أوطانهم على مصالحهم الشخصية. فقد أصبحت جان دارك رمزًا للدفاع عن فرنسا، وخلّد التاريخ الزعيم ونستون تشرشل لصموده في أحلك ظروف الحرب العالمية الثانية، كما حفظ التاريخ مواقف قادة ومواطنين مجهولين ضحوا بأرواحهم من أجل أن تبقى أوطانهم حرة وآمنة. فالتاريخ لا يخلد أصحاب المناصب، وإنما يخلد أصحاب المواقف.
والوطنية الحقة ليست كلمات تتردد في الاحتفالات، بل هي أمانة في الوظيفة، وإخلاص في العمل، واحترام للأنظمة، وصيانة للممتلكات العامة، وحفاظ على وحدة المجتمع. ومن يحب وطنه يحرص على سمعته، ويؤدي واجبه بإتقان، ويجعل نجاحه الشخصي لبنة في بناء وطنه.
وفي المملكة العربية السعودية تتجسد هذه المعاني في الالتفاف حول القيادة، والمحافظة على وحدة الصف، والمشاركة في مسيرة التنمية، والإيمان بأن أمن الوطن واستقراره مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع. فالولاء الصادق يظهر في العمل والإنجاز قبل الشعارات.
قال أحمد شوقي:
«وللأوطان في دم كل حرٍّ
يدٌ سلفتْ ودينٌ مستحقُّ».
وما أجمل أن يسدد الإنسان هذا الدين بالعلم، والإنتاج، والصدق، وخدمة الناس.
إن الوطن لا يسأل أبناءه ماذا قالوا عنه، بل ماذا قدموا له. وبين من باع وطنه فلفظه التاريخ، ومن بذل عمره في خدمته فخلده التاريخ، يبقى الخيار بيد كل إنسان. أما الأوطان، فإنها لا تنسى المخلصين، والتاريخ لا يرحم الخائنين.


