
المدن المستدامة… أكثر من مبانٍ ذكية
أصبحت المدن اليوم تواجه تحديات متسارعة تتعلق بالنمو السكاني، والتوسع العمراني، والتغير المناخي، وارتفاع الطلب على الخدمات الأساسية، الأمر الذي جعل تحقيق الاستدامة الحضرية أحد أبرز أولويات المجتمع الدولي. ومن هذا المنطلق، يأتي الهدف الحادي عشر من أهداف التنمية المستدامة ليؤكد أهمية بناء مدن ومجتمعات شاملة وآمنة وقادرة على الصمود، بما يضمن تحسين جودة الحياة للأجيال الحالية والمستقبلية.
ومع اقتراب انعقاد المنتدى السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة (HLPF 2026)، تتجه الأنظار إلى مستقبل المدن، ليس من منظور عمراني فحسب، بل باعتبارها منظومات اقتصادية واجتماعية وبيئية متكاملة، تعتمد على الحوكمة الفاعلة، والتمويل المستدام، والابتكار في إدارة الموارد.
المدينة المستدامة… تبدأ بالحوكمة
يرى د. أنس علاوي أن مفهوم المدن المستدامة يتجاوز الصورة التقليدية المرتبطة بالمباني الخضراء أو التقنيات الحديثة، ليشمل بناء منظومة متكاملة تقوم على التخطيط الحضري الرشيد، وكفاءة المؤسسات، والحوكمة، والقدرة على إدارة الموارد بكفاءة.
فنجاح المدن لا يقاس بحجم مشروعاتها أو ارتفاع مبانيها، وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي، والمحافظة على البيئة، وتعزيز جودة الحياة، مع توفير خدمات حضرية مستدامة تلبي احتياجات السكان.
التمويل الأخضر… ركيزة للاستدامة
ويؤكد أن تحقيق التنمية الحضرية المستدامة لم يعد يعتمد على التخطيط العمراني وحده، بل أصبح يرتبط بصورة وثيقة بوجود نماذج تمويل قادرة على دعم المشروعات طويلة الأجل، وفي مقدمتها التمويل الأخضر، الذي يتيح تنفيذ مشروعات ذات أثر اقتصادي وبيئي مستدام.
كما تمثل الشراكات بين القطاعين العام والخاص أحد أهم الأدوات التي تساعد على تسريع تنفيذ المشروعات، ونقل المعرفة، وتعزيز كفاءة إدارة المخاطر، بما يحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
التجربة السعودية… رؤية تتجاوز العمران
تبنت المملكة العربية السعودية مفهومًا متقدمًا للتنمية الحضرية ضمن رؤية السعودية 2030، من خلال إطلاق مشاريع كبرى مثل نيوم، وذا لاين، والرياض الخضراء، والمسار الرياضي، التي تعكس تحولًا في فلسفة التخطيط العمراني، عبر دمج الابتكار، والاستدامة، والتحول الرقمي، وجودة الحياة في إطار تنموي متكامل.
ولا تقتصر أهمية هذه المشاريع على بعدها العمراني، بل تمتد إلى تطوير نماذج جديدة في الحوكمة، وإدارة الموارد، وجذب الاستثمار، وتعزيز تنافسية المدن السعودية على المستوى العالمي.
ماذا سيناقش المنتدى؟
من المتوقع أن يركز المنتدى السياسي رفيع المستوى هذا العام على عدد من القضايا المرتبطة بالمدن المستدامة، من أبرزها:
- تطوير آليات تمويل التنمية الحضرية.
- تعزيز قدرة المدن على مواجهة التغير المناخي.
- توسيع استخدام التقنيات الذكية في إدارة المدن.
- رفع كفاءة مؤشرات قياس الأداء الحضري.
- تعزيز الشراكات لتحقيق التنمية المستدامة.
وتمثل هذه المحاور فرصة لاستعراض التجارب الوطنية، ومناقشة أفضل الممارسات الدولية في بناء مدن أكثر استدامة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
لماذا يهم هذا الهدف المملكة؟
يمثل تطوير المدن المستدامة أحد المحاور الرئيسة في رؤية السعودية 2030، لما له من أثر مباشر على جودة الحياة، وجذب الاستثمارات، ورفع كفاءة البنية التحتية، وتعزيز الاستدامة البيئية والاقتصادية.
كما تسهم المدن المستدامة في دعم التنويع الاقتصادي، وتحسين كفاءة الخدمات، وخلق بيئات حضرية أكثر قدرة على الابتكار، بما يعزز مكانة المملكة بوصفها نموذجًا عالميًا في التنمية الحضرية المستدامة.
قراءة مستقبلية
يرى د. أنس علاوي أن مستقبل المدن لن يتحدد بعدد المشروعات أو حجم الاستثمارات، بل بقدرة الدول على بناء منظومة متكاملة تجمع بين التخطيط الاستراتيجي، والحوكمة، والتمويل المستدام، والابتكار.
وتمتلك المملكة اليوم فرصة استثنائية لتقديم نموذج عالمي في هذا المجال، ليس فقط من خلال مشاريعها الكبرى، وإنما عبر بناء منظومة تنموية تجعل الاستدامة ممارسة مؤسسية تسهم في تحقيق أثر اقتصادي واجتماعي وبيئي مستدام.
تأتي هذه القراءة ضمن الملف الخاص الذي تعده صحيفة مكة الإلكترونية لمواكبة أعمال المنتدى السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة (HLPF 2026)، والذي يقدم قراءة سعودية متخصصة لأهداف التنمية المستدامة من خلال مساهمات نخبة من الخبراء والأكاديميين، وربط مخرجات المنتدى بمستهدفات رؤية المملكة 2030.






