«خلف الخطوط»
في اللحظة التي أُغلقت فيها بوابة هرمز تحت ضغط الحرب على إيران، تذكّر العالم أن الاعتماد على ممر بحري واحد لمرور ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية ليس مجرد خلل تقني في خرائط الشحن، بل ثغرة إستراتيجية تهدد أمن الطاقة والاقتصاد العالمي معاً. ووجدت دول الخليج نفسها أمام اختبار حقيقي: من يملك البدائل، ومن يظل رهينة المضيق؟ وفي تلك اللحظة، لم تبدأ المملكة العربية السعودية من نقطة الصفر، بل استدعت من عمق جغرافيتها مشروعاً قديماً جديداً هو خط أنابيب شرق–غرب الذي يربط حقول المنطقة الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر، متجاوزاً هرمز كلياً، ومحوّلاً الصحراء إلى معبر آمن للنفط باتجاه خمسة قارات.
هذا الأنبوب الممتد لأكثر من ألف كيلومتر ليس مجرد منشأة هندسية، بل تجسيد لقرار إستراتيجي مبكر بأن أمن الطاقة جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني الشامل، وأن الجغرافيا يمكن أن تتحول إلى أداة سيادية تقلل قدرة الخصوم والمضائق والميليشيات على ابتزاز القرار السعودي الاقتصادي والسياسي.
من حرب إيران–العراق إلى رؤية السعودية 2030: ولادة خط سيادي
وُضعت فكرة خط شرق–غرب في سياق تاريخي مشحون؛ حرب إيران–العراق في الثمانينيات، حين تحوّل الخليج إلى مسرح لصراع الناقلات والألغام والتهديدات المتبادلة، وأصبح مضيق هرمز مرشحاً في كل لحظة لأن يكون عنق زجاجة يخنق صادرات النفط وتختنق معه موازنات الدول وحياة الشعوب. آنذاك أدرك صانع القرار السعودي أن التعويل على هرمز وحده أشبه بوضع شريان اقتصادي على طاولة خصوم غير عقلانيين، وأن الدور السعودي كمورّد موثوق للطاقة العالمية يحتاج إلى طريق سيادي لا يتأثر بهياج الصراع في المضيق.
وجاء الرد عملياً من خلال إنشاء خط أنابيب يمتد من بقيق وحقول المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، يختصر المسافة، ويخلق منفذاً بحرياً بديلاً للصادرات بعيداً عن مرمى النيران المحتملة في هرمز. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد النفط السعودي مضطراً لعبور الخليج والمضيق؛ حيث أصبح أمامه مسار بري طويل لكنه آمن، ينتهي إلى واجهة بحرية مفتوحة على أوروبا وأفريقيا والأميركيتين.
ومع مرور الوقت، خرج خط شرق–غرب من خانة مشروع استجابة لأزمة إلى خانة أصل إستراتيجي في عقيدة أمن الطاقة السعودية. توسّعت قدراته، وتطورت منظومة المصافي والمنشآت في ينبع، إلى أن دخل المشروع في سياق رؤية السعودية 2030 التي تسعى لتحويل المملكة إلى محور للطاقة والتجارة والخدمات، يربط الخليج بالبحر الأحمر وبآسيا وأفريقيا. وبذلك أصبح الخط جسراً مادياً بين حقبةٍ كان فيها الخليج ساحة صراع مفتوح، وحقبةٍ تُعاد فيها هندسة الجغرافيا لصالح الاستقرار والتنمية.
الأرقام التي تكشف القيمة الحقيقية للخط
قيمة أي بنية تحتية إستراتيجية لا تُقاس بالشعارات، بل بالأرقام والسلوك في لحظة الأزمة. حين تعطّل هرمز أو تقلّصت حركة الناقلات فيه بفعل الحرب على إيران، صعد خط شرق–غرب إلى واجهة المشهد؛ فالأنابيب عملت بكامل طاقتها تقريباً، لتنقل يومياً ملايين البراميل من النفط الخام من الحقول الشرقية إلى ميناء ينبع، حيث تُحمّل على ناقلات متجهة إلى الأسواق العالمية دون أن تقترب من الخليج أو تمرّ بالمضيق.
هذا التدفق لم يكن مجرد تفصيل فني في سجلات أرامكو؛ كان بمثابة شهادة عملية على قدرة المملكة على الاستمرار في الوفاء بعقودها مع الشركاء الدوليين رغم تعطل أهم الممرات البحرية في المنطقة. في الوقت الذي حُوصرت فيه ناقلات في هرمز، كانت شحنات سعودية تغادر من البحر الأحمر، ما ساهم في تهدئة ذعر الأسواق، وتثبيت صورة المملكة كمورّد موثوق لا يتوقف عند أول أزمة، بل يمتلك هوامش مناورة مبنية على استثمار بعيد المدى في الجغرافيا والبنية التحتية.
وإلى جانب النفط الخام، يغذي خط شرق–غرب منظومة مصافي ومجمعات صناعية في ينبع، وهو ما يرسّخ دور المملكة في تجارة المنتجات المكررة، ويضيف بعداً صناعياً واقتصادياً إلى وظيفة الخط، ليتجاوز الأنبوب دوره التقليدي كناقل للخام، ويصبح جزءاً من سلسلة قيمة تبدأ من البئر ولا تنتهي عند الميناء، بل تمرّ بالمصفاة والمجمع الصناعي، وتعود على الاقتصاد بوظائف وقيمة مضافة وتنويع في مصادر الدخل.
البعد الخليجي المقارن: من يملك البدائل ومن يراهن على المضيق؟
على مستوى الخليج، يكشف نموذج خط شرق–غرب عن تفاوت واضح بين دول تمتلك بدائل حقيقية لمسارات صادراتها، وأخرى ما زالت رهينة لمضيق واحد. فالمملكة العربية السعودية عبر هذا الخط، ومعها الإمارات عبر خط حبشان–الفجيرة الذي يصل إلى ساحل بحر عُمان خارج المضيق، نجحتا في تقليص درجة التعرض المباشر لمخاطر هرمز، وفي بناء هامش مناورة أوسع سواء تجاه الأسواق أو تجاه الضغوط السياسية والأمنية.
وفي المقابل، تقف دول مثل قطر والكويت أمام معادلة أكثر حساسية؛ فالصادرات القطرية من الغاز الطبيعي المسال تعتمد بصورة شبه كاملة على ممر الخليج ومضيق هرمز، وكذلك النفط الكويتي الذي لا يمتلك حتى الآن مساراً بديلاً مماثلاً لمسار خط شرق–غرب أو حبشان–الفجيرة. ومعنى ذلك أن أي تعطّل جدي في المضيق ينعكس مباشرة على قدرة هذه الدول على تصدير مواردها، وعلى موازناتها، وعلى علاقتها التعاقدية مع زبائن آسيا وأوروبا.
هذه الفجوة تطرح سؤالاً إستراتيجياً لا يمكن الهروب منه: هل يستمر الخليج في عقلية أنّ كل دولة تحمي مسارها منفردة؟ أم ينتقل إلى تصور أوسع لمنظومة إقليمية متكاملة للممرات والأنابيب والموانئ، تُوزّع المخاطر وتضاعف هوامش الأمان الجماعي؟ حيث يمكن للمملكة، انطلاقاً من تجربتها في خط شرق–غرب، أن تقود حواراً جديداً حول ضرورة ربط هذا الخط بشبكة من المسارات البرية والبحرية المشتركة نحو البحر الأحمر وبحر عُمان، بما يسمح تدريجياً بأن يصبح أمن الطاقة مشروعاً خليجياً لا عبئاً وطنياً معزولاً.
وبذلك لا يعود خط شرق–غرب مجرد قصة سعودية ناجحة، بل نواة لفكرة أوسع بأن تُستخدم الجغرافيا كأداة تعاون لا كخطوط فصل فقط، وأن يتحول الاستثمار في الأنابيب والموانئ إلى استثمار في الاستقرار الإقليمي نفسه، بما ينعكس في النهاية على قدرة دول الخليج على التفاوض من موقع قوة مع شرق آسيا وأوروبا وأميركا، وهي الأطراف التي تضع معيار «موثوقية الإمدادات» على رأس قائمة معايير الشراكة.
ختاماً: الجغرافيا ليست قدَراً، ولكنها قرار
في جوهره، يقدم خط شرق–غرب درساً بليغاً لصانعي القرار في الخليج وخارجه، وهو أن الجغرافيا ليست قدراً صامتاً على الخرائط، بل مادة خام يمكن تشكيلها لصالح الأمن إذا توفرت الرؤية والإرادة والاستثمار المبكر. فالمضائق يمكن أن تكون نقاط قوة إذا أُحسن إدارتها، لكنها تتحول إلى نقاط ضعف قاتلة إذا تُركت بوصفها المسار الوحيد للحياة الاقتصادية.
المملكة العربية السعودية اختارت قبل عقود أن تكتب لنفسها طريقاً بديلاً للصادرات عبر الصحراء إلى البحر الأحمر، وحين جاءت أزمة هرمز الأخيرة، تبيّن أن هذا الطريق لم يكن رفاهية هندسية، بل ضرورة إستراتيجية لأمن الطاقة الوطني والإقليمي. ومع دخول المنطقة مرحلة جديدة من إعادة التفكير في خرائط الحركة والتجارة بعد الحرب على إيران، يبدو أن الوقت مناسب لأن تتحول قصة خط شرق–غرب من تجربة وطنية إلى مرجع إقليمي؛ نموذج يُلهم دول الخليج لأن تبني شبكاتها الخاصة من الممرات البديلة، وأن تتعامل مع أمن الطاقة بوصفه جزءاً من منظومة الأمن الجماعي، لا مجرد ملف اقتصادي تديره وزارات النفط بمعزل عن حسابات الدفاع والسياسة والخارجية.
وبهذا المعنى، لم يعُد السؤال اليوم: هل يمكن الاستغناء عن هرمز؟ بل السؤال هو: كم لدينا من خط شرق–غرب إقليمي يجعلنا أقل رهينة لمضيق واحد وأكثر قدرة على كتابة مستقبلنا بأيدينا، فوق الرمال وتحت الأنابيب، لا على أمواج مضيق يزدحم بالصراع أكثر من الناقلات؟
{رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَات}

صور توضح خط شرق – غرب السعودي: حين تتحوّل الجغرافيا إلى سلاح إستراتيجي في معركة هرمز






