لم يعد الطريق إلى لقب «خبير» يحتاج إلى سنوات من الدراسة، أو خبرة ميدانية أو نتاج علمي … ففي بعض مجموعات الواتساب تكفي لوحة مفاتيح ورسالة معاد توجيهها وثقة لا حدود لها بالنفس ليولد خبير جديد في السياسة والاقتصاد والطب والقانون والأنظمة والإدارة… وربما في كل شيء.”
كان الوصول إلى المنابر يومًا ما امتيازًا لا يناله إلا أصحاب الفكر والخبرة والكفاءة وكانت الكلمة تمر عبر أبواب المسؤولية لأن أثرها قد يصنع رأيًا أو يهدم سمعة أو يوجه مجتمعًا أما اليوم فقد اختزلت تطبيقات التواصل هذه المسافة وجعلت من كل هاتف منصة ومن كل مجموعة واتساب منبرًا مفتوحًا لا يسأل فيه أحد: من أنت؟ وما مؤهلاتك؟ وما مصدرك؟ وماذا سيضيف ما تكتبه للمجموعه التي تشارك فيها
وهنا تكمن المشكلة !!!
فقد تحولت بعض من قروبات الواتساب إلى ساحات يتصدرها أكثر الناس اندفاعًا لا أكثرهم علمًا يتحدث فيها من لا يعرف أبجديات الطب فيصف العلاج ومن لم يفقه في الدين إلا اقل القليل يفتي ويصدر فتاوى وبعضهم يصل به الامر إلى تكذيب وتضعيف بعض الأحاديث النبويه دون علم وتمحيص وبعضهم يقرأ بعض الانظمه ويفسرها حسب رؤيته الشخصيه وفهمه هو ومنهم لم يمارس الإدارة يومًا لا يتردد في توزيع شهادات النجاح والفشل على الآخرين.
ولأن المنبر أصبح مجانيًا فقد أصبح الادعاء مجانيًا أيضًا فأصبح مجالاً وفرصة لبعض الذين يريدون الشهره وترديد اسمائهم في تلك المجموعات ..
فلم يعد غريبًا أن تستيقظ على رسالة تبدأ بعبارة: “وصلتني من مصدر موثوق”، ثم تكتشف بعد ساعات أنها محض اختلاق وافتراء ولم يعد مستغربًا أن يتحول شخص لم يقرأ سوى عنوان الخبر إلى محلل استراتيجي إلى أن يصبح ناقل الإشاعة أكثر حضورًا من صاحب الحقيقة.
إن أخطر ما أنتجته بعض هذه القروبات ليس كثرة الرسائل فقط بل تضخم الثقة بالنفس لدى بعض المتحدثين فكل رسالة يرسلها وكل تعليق يكتبه يمنحه شعورًا بأنه أصبح صاحب رأي مؤثر حتى وإن كان كلامه يفتقر إلى الدليل والمنطق والمسؤولية.
والأخطر من ذلك أن بعض القروبات أصبحت محاكم شعبية تُصدر الأحكام وتدين الأشخاص وتسيء إلى المؤسسات وتتناقل الاتهامات بلا بينة وكأن التشهير بالآخرين أصبح وجهة نظر وكأن إعادة التوجيه تعفي صاحبها من المسؤولية.
لقد أصبح كثيرون يكتبون قبل أن يفكروا ويرسلون قبل أن يتحققوا ويحاكمون قبل أن يسمعوا ثم يختبئون خلف عبارة: “أنا مجرد ناقل.” متناسين نظام الجرائم المعلوماتيه الذي أقرته دولتنا الرشيدة السعودية العظمى اعزها الله تنظيماً لحماية الاشخاص ورد كل من تسول له نفسه التشهير والإساءة للآخرين ودون علم ان ناقل الكذب شريك فيه وناشر الإشاعة مسؤول عنها والكلمة في الفضاء الرقمي لا تموت بل تبقى شاهدة على صاحبها مهما حذفها.
ولا يعني هذا أن قروبات الواتساب كلها سيئة فهي كانت ولا تزال وسيلة نافعة للتواصل والتكافل وتبادل المعرفة والنقد البناء وإنجاز الأعمال خاصة في فرق العمل المتنوعه غير أن هذه الإيجابيات تتراجع عندما يسيطر الضجيج على الحوار ويغيب صوت العقل أمام سيل من الآراء غير المسؤولة فتصبح منبرا سلبياً طالما هناك اشخاص يساعدون على نقل هذه الإشاعات ويشغلون وقت فراغهم في القيل والقال ..
إن تلك المجموعات لا يهددها اختلاف الآراء وإنما يهددها تصدر الجهل وتسويق الوهم ومنح الميكروفون لمن لا يملك إلا رفع صوته فقط ويجيدون صياغة الكلمات ليضيفوا لمسة المصداقية لمشاركاتهم متناسين ان الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية
ولعل السؤال الذي يجب أن يوجّه لكل عضو في أي مجموعة واتساب هو: هل أضيف إلى الناس علماً مفيداً أم أضيف إلى هواتفهم رسالة جديدة في طابور طويل من الضجيج ؟
لقد أعطت التقنية الجميع حق الوصول إلى المنبر لكنها لم تمنح الجميع حق ادعاء المعرفة والتشكيك في نوايا الآخرين وبين هذه الأمور تكمن مسؤولية الكلمة والمعلومة
فلنكن جميعا عونا على الاستخدام الأمثل لهذه التقنية فيما يرضي الله تعالى …
والله وليّ التوفيق