كتاب الرأي

ظلال المساء وأحاديث الروح

حين يهبط المساء على أطراف النهار، لا يأتي مجرد وقت يمضي، بل يأتي كزائرٍ حكيم يطرق أبواب القلب بهدوء، يحمل في يديه شيئًا من السكينة، وشيئًا من الحنين، وشيئًا من الأسئلة التي ظلت الروح تؤجلها طوال اليوم.

في المساء تتبدل ملامح الأشياء. تصير الطرق أكثر صمتًا، والوجوه أقل ازدحامًا، والنوافذ أكثر صدقًا وهي تضيء من بعيد كأنها قلوب صغيرة تبحث عن دفء. يغادر الضجيج مواقعه، وتبدأ الروح حديثها الخاص؛ حديثًا لا يسمعه أحد، لكنه أصدق من كل الكلام.

تحت ظلال المساء، نستعيد أنفسنا من تعب النهار. نخلع عن أرواحنا أثقال المجاملة، وأقنعة القوة، وابتسامات الواجب، ونجلس مع ذواتنا كما يجلس المسافر أخيرًا عند محطة أمان. نسألها: ماذا أتعبك؟ وماذا كسرك؟ وماذا ما زلت تخفين خلف الصمت؟ فتجيبنا الروح أحيانًا بدمعة، وأحيانًا بزفرة، وأحيانًا بصمت طويل لا يحتاج إلى تفسير.

للمساء قدرة عجيبة على كشف ما نخفيه. فهو لا يفضحنا، بل يربت على قلوبنا برفق، يذكرنا أن الإنسان ليس مطالبًا أن يكون قويًا في كل لحظة، ولا منتصرًا في كل معركة، ولا صامدًا أمام كل ريح. يكفيه أحيانًا أن يبقى نقيًا رغم الخيبات، رحيمًا رغم الجراح، مؤمنًا رغم طول الطريق.

وفي المساء، تعود الذكريات من منافذ القلب البعيدة. يطل وجه غائب، وتعود كلمة لم تنس، ويحن القلب إلى أيام مضت، وأشخاص كانوا ذات يوم وطنًا صغيرًا في داخلنا. لكن المساء لا يأتي ليحزننا فقط، بل ليعلمنا أن الحنين ليس ضعفًا، وأن الاشتياق ليس انكسارًا، وأن ما أحببناه بصدق يبقى فينا بصورةٍ ما، حتى وإن تبدلت الأماكن وتفرّقت الطرق.

ما أجمل أن نجعل من المساء موعدًا للمصالحة مع النفس .. نغفر لها ارتباكها، ونتفهم خوفها، ونشكرها لأنها قاومت بما استطاعت. فكم من روح تبدو هادئة وهي تحمل عواصف لا يراها أحد، وكم من قلبٍ يبتسم في النهار ثم يعود في المساء ليلملم بقاياه بصمت.

لكن المساء، رغم ظلاله، لا يخلو من نور. ففي آخر كل نهار رسالة خفية تقول لنا: لقد مر يوم آخر، وربما لم يكن كاملًا، لكنه مضى، وما زلت هنا. ما زلت قادرًا على البدء، على الدعاء، على الحلم، على أن تمنح نفسك فرصة جديدة. فليست الحياة أن تخلو من التعب، بل أن نجد في داخلنا ما يكفي من الإيمان لنواصل السير.

وفي أحاديث الروح مع المساء، نكتشف أن أجمل ما في الإنسان ليس ما يملكه، بل ما يبقى مضيئًا فيه رغم العتمة .. رحمة لا تنطفئ، أمل لا يستسلم، ودعاء يصعد إلى السماء كلما ضاقت الأرض.

فيا أيها المساء الهادئ

خذ من قلوبنا ما أثقلها، ورد إلينا شيئًا من الطمأنينة

وختامًا: يعلمنا المساء الهادئ أن السكينة لا تعني غياب العواصف، بل حضور الله في القلب حين تهب العواصف. وذكرنا دائمًا أن لكل روح متعبة نافذة نور، ولكل مساء طويل فجرًا ينتظر في البعيد.

أ.د. عصام بن إبراهيم أزهـر

رئيس وحدة الكائنات المعدية مركز الملك فهد للبحوث الطبية جامعة الملك عبد العزيز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى