حين تحدثنا عن الوطن الذي يشيخ بصمت، كنا نقف عند الفراغ الذي يتسلل إلى مستقبله حين تخفت الأسرة. وحين وقفنا عند الاحتراق الوظيفي، كنا نقف عند الإنسان نفسه حين يخسر بيته وهو يظن أنه يبني مستقبله. وبين الحالين خيطٌ واحد لا ينقطع، فما يشيخ في الوطن ليس إلا صدىً لما يهتز في بيوته، وما يحترق في الإنسان ليس إلا امتداداً لأسرةٍ غاب عنها نصيبها منه، لنعُد إذن إلى حيث تبدأ القصة من أولها، لاننا حين نتأمل في صروح الحضارات وكيف نهضت الأمم وسقطت، نكاد نُجمع على أن الدولة لا تُبنى من أعلى إلى أسفل، بل تنبت من أصغر خلاياها وأشدها التصاقاً بالإنسان وهي الأسرة.
الأسرة ليست وحدة عابرة تجمع أفراداً تحت سقف واحد، بل المصنع الأول الذي تُعزز فيه القيم و تنشأ فيه الهوية، وتُشكَّل فيه الطباع، ويتعلم فيه الإنسان كيف يكون إنساناً قبل أن يكون مواطناً أو مسؤولا، وما الدول في حقيقتها إلا أُسَر كبرى اتسعت دوائرها حتى صارت أوطاناً، فإن صلح أصلها صلح فرعها، وإن اعتلّ أساسها تداعى البناء كله مهما علا.
وقوة المجتمع من قوة أسرته، لان المجتمعات التي تنعم بأسر مستقرة تُحسن تربية أبنائها أقدر على الاستقرار والتنمية بعيدة المدى، وهذه قاعدة يؤكدها علم الاجتماع التاريخي لا ملاحظة عابرة، ولعل ابن خلدون كان من أعمق من رصدها حين رأى أن الدول تؤسسها أسر وقبائل قوية متماسكة، تنقل لأجيالها قيم القوة والإنجاز والمسؤولية و الانتماء و الولاء، فإذا تفككت تلك الأسر ضعفت الدولة وآلت إلى السقوط، ولسنا بعيدين عن هذا في الفكر الغربي، فالمؤرخ أرنولد توينبي، الذي درس صعود ثلاث وعشرين حضارة وسقوطها، خلص إلى ملاحظة قريبة من ذلك حيث اوضح أن الحضارات تنشأ حين تكون الأسرة قوية تُوظّف طاقاتها في الإبداع، وتسقط حين تتفكك فتنهار القاعدة التي يقوم عليها كل شيء.
وما ذكره المؤرخون تؤكده أرقام الدراسات المعاصرة، فقد وجدت دراسات أمريكية أن الولايات ذات معدلات الزواج المرتفعة والطلاق المنخفض تتفوق اقتصادياً وتعليمياً واجتماعياً على غيرها، حتى بعد ضبط المتغيرات الأخرى، مما يعني أن الترابط الأسري سبب للتنمية لا نتيجة لها، وفي بحوث أخرى تبيّن أن نسبة الأطفال الذين ينشؤون في أسر مستقرة من أقوى ما يتنبأ بمستقبل المجتمع، أكثر من معدلات التعليم والصحة وحدها، فالمجتمعات التي تستثمر في الأسرة تحصد ثمارها لعقود.
والسبب بيّن، لان الأسرة القوية تُربّي أفراداً يحملون قيم العمل والتعاون واحترام النظام، فإذا كبروا أسّسوا مؤسسات ناجحة وأصلحوا مجتمعاتهم، أما حين تضعف الروابط الأسرية فتظهر علل متشابكة من تفكك اجتماعي يدفع الفرد الفاقد للانتماء إلى العزلة أو إلى جماعات منحرفة او متطرفة، وضعف في الثقة بين الناس يُعجزهم عن التعاون في المشاريع الكبرى كما بيّن روبرت بوتنام في حديثه عن رأس المال الاجتماعي، وارتفاع في الجريمة كشفت دراسات الإجرام أن قسطاً كبيراً منها يرتكبه من نشؤوا في بيوت مفككة، يُضاف إلى ذلك أعباء اقتصادية ترهق الدولة في رعاية ضحايا التفكك، وتراجع في إنتاجية العامل المتأزم نفسياً، ثم انتقال هذا الخلل عبر الأجيال حين يستنسخ أبناء الأسر المفككة تفككهم في بيوتهم اللاحقة.
ويزيد هذا الرابط رسوخاً ما كشفته أبحاث حديثة عن أثر الأسرة في بناء الإنسان نفسه، فقد أثبتت دراسات جيمس هيكمان أن الاستثمار في السنوات الأولى من حياة الطفل داخل أسرته من أعلى الاستثمارات عائداً على المجتمع، وبيّنت نظرية التعلّق عند بولبي وأينسورث أن البيئة الأسرية الآمنة تمنح الطفل توازناً نفسياً يجعله قادراً على البناء والعطاء. بل إن دراسة جامعة هارفارد الطويلة التي قادها روبرت والدنغر عبر عقود خلصت إلى أن جودة العلاقات الأسرية والإنسانية أقوى مؤشر على سعادة الإنسان وصحته وطول عمره، فالعلم الحديث يعيد، بلغته، تأكيد ما عرفه القدماء من أن متانة الأسرة هي متانة المجتمع.
وهنا تتجلى القاعدة التي لا تنكسر: من عجز عن بناء أسرة متزنة عجز عن بناء دولة، فكيف يُرتجى ممن لم يحسن إدارة بيت صغير، وتعهّد أفراده بالعدل والرحمة والقيم والقدوة، أن يدير شؤون احد مؤسسات الوطن؟ إن مهارات القيادة والإنصاف وتحمّل التبعات تُتعلّم أول ما تُتعلّم في محراب الأسرة، فالأب القدوة والأم التي تربّي وتغرس تصنع أجيالاً تحمل الوطن، والبيت الذي يسوده الحوار يُخرّج مواطنين يُحسنون قبول الاختلاف والتعايش.
وقد أدركت الحضارة الإسلامية هذه المكانة فجعلت الأسرة محلاً للعناية والتشريع، وأحاطتها بسياج من الحقوق يحفظ توازنها. القرآن يصف العلاقة الزوجية بأنها سكن ومودة ورحمة، ويجعل برّ الوالدين تالياً لعبادة الله، ويوصي بالأرحام وصلتها، وما ذلك إلا لأن صلاح هذه الروابط صلاح للمجتمع كله.
إن البناء يقوم على البناء، فلا تنهض دولة على أسرٍ مفككة، ولا يستقيم اقتصاد على إنسان مهتزّ النشأة، ولا تثبت قيم في مجتمع غاب عنها بيتها الأول، وأي خطة تنموية تتجاهل هذا الأساس فمصيرها التعثّر مهما ضخّت من أموال في التعليم والصحة والبنية التحتية. الأمم التي تريد أن تبني مستقبلها عليها أن تبدأ من حيث يبدأ الإنسان، من حضن الأسرة، ومن تلك الخلية الأولى التي إن صلحت صلح كل ما بعدها، فالأسرة هي المصنع الأول للتنمية، ومن أتقن صناعته فيها فقد وضع حجر الأساس لكل بناء، ومن أهمله فقد بنى على رمل مهما زخرف الواجهات وعلّى الجدران.




