رحل الدكتور راشد الراجح، ولكن بعض الرجال لا يغادرون الحياة حين يغادرونها، لأن أثرهم يبقى حاضرًا في ذاكرة الناس، وفي المؤسسات التي خدموها، وفي العلم الذي نشروا به المعرفة، وفي المواقف التي تركت في نفوس من عرفوهم شيئًا لا ينسى.
أكتب عن الدكتور راشد الراجح اليوم لا بصفتي قريبًا له فحسب، ولا باعتباره خالًا عزيزًا، بل باعتباره رجلًا كان له حضور في العلم والأدب والتعليم والعمل الوطني، وترك بصمة في مسيرة التعليم والثقافة والحوار في المملكة العربية السعودية.
وأكتب عنه كذلك بصفتي ابنًا يرى في خاله صورة الأب؛ فقد كان رحمه الله قريبًا من القلب، كبيرًا في مكانته، كريمًا في أخلاقه، حاضرًا بالنصيحة والتوجيه والموقف، ولذلك فإن الحديث عنه بالنسبة لي ليس حديثًا عن شخصية عامة عرفتها الكتب والمؤسسات، وإنما حديث عن إنسان عرفته الأسرة قبل أن يعرفه الناس، وعرفناه قريبًا محبًا، ناصحًا، كريم النفس، عظيم الوفاء.
*رجل العلم واللغة والشريعة.
كان الدكتور راشد الراجح من الرجال الذين جمعوا بين العلم والثقافة، فقد درس اللغة العربية والشريعة، وكان لهذا التكوين العلمي أثر واضح في شخصيته وفكره وطريقة تعامله مع قضايا التعليم والثقافة والمجتمع.
فاللغة العربية بالنسبة له لم تكن مجرد تخصص أكاديمي، وإنما كانت جزءًا من هويته وفكره ووسيلته في التعبير عن رؤيته للحياة. والشريعة لم تكن علمًا يُدرّس فحسب، بل كانت قيمًا ومبادئ انعكست على سلوكه وتعاملاته ومواقفه.
وقد أسهم هذا الجمع بين اللغة والشريعة في تكوين شخصية علمية متزنة، تؤمن بأن العلم لا تكتمل قيمته إلا إذا انعكس على الإنسان والمجتمع، وأن المعرفة الحقيقية ليست في كثرة ما يحمله الإنسان من معلومات، وإنما فيما يتركه من أثر نافع.
*في خدمة التعليم والجامعة.
كان من أبرز محطات حياته أن تولى إدارة جامعة أم القرى، وكان من أوائل من حملوا مسؤولية إدارة الجامعة في مراحل مهمة من مسيرتها.
ولم تكن إدارة الجامعة في تلك المرحلة مجرد منصب إداري، بل كانت مسؤولية علمية ووطنية كبيرة، خصوصًا أن جامعة أم القرى تمثل مكانة علمية وثقافية ودينية بارزة في مكة المكرمة.
وقد ارتبط اسمه بالعمل الجامعي، وبخدمة التعليم، وبالإيمان بدور المؤسسات العلمية في بناء الإنسان وإعداد الأجيال.
وكان يؤمن بأن الجامعة ليست قاعات دراسية ومناهج وشهادات فقط، وإنما بيئة تصنع الفكر، وتبني الشخصية، وتؤهل الإنسان لخدمة وطنه ومجتمعه.
*رجل الأدب والثقافة.
ولم يتوقف اهتمام الدكتور راشد الراجح عند التعليم الأكاديمي، فقد كان للأدب والثقافة حضور بارز في حياته.
وترأس نادي مكة الأدبي، وهو موقع يعكس اهتمامه بالحركة الأدبية والثقافية، وحرصه على أن تكون مكة المكرمة حاضرة في المشهد الثقافي والفكري.
وكان يرى في الأدب وسيلة لبناء الوعي، وفي الثقافة جسرًا بين الأجيال، وفي الحوار الثقافي فرصة لتبادل الأفكار والارتقاء بالمجتمع.
ولذلك لم يكن حضوره الثقافي حضورًا شكليًا، بل كان امتدادًا لشخصيته العلمية التي تؤمن بأن الإنسان لا يبنى بالعلم المتخصص وحده، وإنما يحتاج كذلك إلى الأدب والثقافة والفكر.
*الحوار الوطني.
ومن المحطات المهمة في مسيرته أيضًا عمله نائبًا في مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني.
وهذه المهمة تتناسب مع شخصية عرفت بالهدوء والحكمة واحترام الرأي الآخر، والإيمان بأهمية الحوار في بناء المجتمع.
فالحوار في نظره لم يكن مجرد اختلاف في الآراء، وإنما وسيلة للوصول إلى الفهم المشترك، وتقريب وجهات النظر، وتعزيز الانتماء للوطن.
وقد كان يؤمن بأن المجتمع القوي هو المجتمع الذي يستطيع أفراده أن يختلفوا في الرأي، دون أن يختلفوا في محبتهم لوطنهم، وأن احترام الآخر لا يعني التخلي عن القناعة، وإنما يعني الاعتراف بحقه في أن تكون له رؤيته وصوته.
*تربة.. المكان الذي سكن قلبه.
ومن أجمل الجوانب التي لا يمكن أن أتحدث عن الدكتور راشد الراجح دون ذكرها، حبه الكبير لمسقط رأسه تربة.
كان رحمه الله يحمل لتربة حبًا خاصًا، حبًا يتجاوز مجرد الانتماء إلى المكان، إلى الوفاء له ولأهله وذكرياته.
ومهما بلغت به المسؤوليات، ومهما اتسعت دائرة اهتماماته وعلاقاته، بقيت تربة حاضرة في قلبه.
وكان يدعمها بكل شغف وحب، ويحرص على أن يقدم ما يستطيع لخدمتها وأهلها، إيمانًا منه بأن الإنسان لا ينبغي أن ينسى المكان الذي بدأ منه، وأن الوفاء لمسقط الرأس من أجمل صور الوفاء.
وكانت تربة بالنسبة له أكثر من مدينة؛ كانت ذاكرة الطفولة، وموطن الأهل، ودفء البدايات، ومكانًا ظل حاضرًا في وجدانه مهما امتدت به سنوات العمر.
*الإنسان قبل المسؤول.
ورغم المناصب والمسؤوليات التي تقلدها، فإن من عرف الدكتور راشد الراجح عن قرب يعرف أن الإنسان بداخله كان أكبر من المنصب.
كان رحمه الله قريبًا من الناس، يستمع إليهم، ويهتم بمشكلاتهم، ويقدم النصيحة بما يملك من خبرة وتجربة.
ولم يكن يرى في المسؤولية امتيازًا، بل تكليفًا.
وهذه من الصفات التي تجعل الإنسان يبقى في ذاكرة من حوله؛ فالناس قد ينسون تفاصيل المناصب والقرارات، لكنهم لا ينسون الموقف الطيب، والكلمة الصادقة، واليد التي امتدت بالمساعدة، والشخص الذي وقف معهم في وقت احتاجوا فيه إليه.
*خالي.. ووالدي.
أما أنا، فتبقى علاقتي بالدكتور راشد الراجح مختلفة عن كل ما يمكن أن تكتبه السيرة الذاتية.
كان خالي، لكنه بالنسبة لي كان أيضًا والدي.
وهذه الكلمة وحدها تختصر مشاعر كثيرة لا تستطيع المقالات أن تحملها.
فقد كان حضوره في حياتي حضور الأب الذي يستمع، ويوجه، وينصح، ويهتم، ويشعر بك قبل أن تتحدث.
وعندما نفقد شخصًا كان بهذه المكانة، لا نشعر أننا فقدنا قريبًا فقط، بل نشعر أن جزءًا من ذاكرتنا قد رحل معه.
تأتي الذكريات فجأة؛ موقف هنا، وكلمة هناك، ونصيحة كنا نسمعها منه وربما لم ندرك قيمتها كاملة في وقتها، ثم نكتشف بعد الرحيل أن بعض الكلمات لا نعرف قيمتها إلا عندما نفتقد صاحبها.
فقده ليس فقدًا شخصيًا فقط
رحيل الدكتور راشد الراجح ليس فقدًا لأسرته وأبنائه وإخوانه وأقاربه ومحبيه فقط، بل هو فقد لرجل خدم العلم والتعليم والثقافة والعمل الوطني، وترك أثرًا في مجالات متعددة.
وقد تكون المناصب التي تقلدها قد انتهت بانتهاء فترة المسؤولية، لكن الأثر الذي صنعه الإنسان لا ينتهي بانتهاء المنصب.
فالجامعة التي خدمها، والأدب الذي احتضنه، والحوار الذي شارك في مسيرته، والناس الذين عرفوه، والطلاب الذين استفادوا من علمه، والأجيال التي سمعت عنه؛ كل ذلك يمثل امتدادًا حقيقيًا لحياته.
الرجال يُعرفون بما يتركونه
هناك رجال تقاس حياتهم بعدد السنوات، وهناك رجال تقاس حياتهم بما تركوه في السنوات.
والدكتور راشد الراجح من الصنف الثاني.
فقد عاش حياته في ميادين العلم والتعليم والثقافة وخدمة المجتمع، ولم يكن همه أن يُذكر اسمه بقدر ما كان همه أن يؤدي ما عليه.
واليوم، وبعد رحيله، نكتشف أن أجمل ما يتركه الإنسان ليس المال ولا المناصب، وإنما السمعة الطيبة، والسيرة الحسنة، والعلم النافع، والذكر الجميل في قلوب الناس.
وهذه كلها، بإذن الله، من الأشياء التي تركها الدكتور راشد الراجح وراءه.
إلى روحك يا خالي
يا خالي ووالدي..
رحلت عن الدنيا، ولكنك لم ترحل من قلوبنا.
ستبقى حاضرًا في مجالسنا حين نتحدث عن الرجال الذين خدموا وطنهم، وستبقى حاضرًا في ذاكرتنا حين نذكر التعليم والأدب والثقافة، وستبقى تربة شاهدة على حبك لها ووفائك لها، وستبقى الأسرة تحمل من سيرتك الكثير مما يستحق أن يُروى للأبناء والأحفاد.
سنفتقد صوتك، ونفتقد حضورك، ونفتقد تلك المكانة التي كنت تشغلها في حياتنا.
لكن عزاءنا أن الإنسان لا يموت حين يبقى أثره.
وأنت تركت أثرًا طيبًا في العلم، وفي العمل، وفي الثقافة، وفي الناس، وفي الأسرة، وفي كل مكان مررت به.
رحمك الله رحمة واسعة، وغفر لك، ورفع درجتك في المهديين، وجعل ما قدمته من علم وعمل وخدمة للناس في ميزان حسناتك.
اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأنس وحشته، ونوّر قبره، واغفر له وارحمه، واجزه عن أهله ووطنه ومجتمعه خير الجزاء.
اللهم اجمعنا به في دار لا فراق فيها.
رحم الله الدكتور راشد الراجح، خالي ووالدي، ورجل العلم والأدب والحوار، ورجل تربة الذي حمل حبها في قلبه حتى آخر أيامه.
وسيظل اسمه، بإذن الله، حاضرًا في الذاكرة، لأن الرجال الذين يعيشون للعلم والوطن والناس لا يغيبون برحيل أجسادهم، وإنما تبقى سيرتهم تتحدث عنهم.
رحمك الله يا خالي..
فقدنا شخصًا عزيزًا، لكننا كسبنا إرثًا من السيرة الطيبة، سيبقى ما بقيت الذكرى.
كتبه // محمد غازي العبدلي الشريف. مكة المكرمة Alabdli999@hotmail.com