كان الهاجس الأمني ملازمًا للمجتمعات الإنسانية منذ نشأتها، ودافعًا إلى التقارب والتكتل كلما استشعرت خطرًا يهدد وجودها أو مصالحها؛ فاتجهت الكيانات السياسية، عبر العصور، إلى عقد الأحلاف بوصفها إحدى وسائل تحقيق الأمن ومواجهة الأخطار المشتركة. تغيرت مسمياتها وأشكالها وأطرافها، وبقي الدافع الأمني حاضرًا في كثير منها.
ومن أمثلة الأحلاف التي عرفها العالم القديم حلف ديلوس، الذي تأسس نحو عام 478/477 ق.م. عقب الحروب اليونانية الفارسية، وضم عددًا من المدن والجزر اليونانية بقيادة أثينا. وكان الخوف من تجدد الخطر الفارسي أحد أبرز دوافع قيامه، فالتقت مصالح أعضائه حول مواجهته وحماية المدن اليونانية ومصالحها في بحر إيجة.
ومضت القرون وتغير العالم، لكن فكرة الأمن الجماعي لم تختفِ. ففي ظل تصاعد مخاوف الدول الغربية من تمدد النفوذ السوفيتي في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، تأسس عام 1949 حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وقام على مبدأ الدفاع الجماعي الذي تجسده مادته الخامسة، ومؤداه أن الهجوم المسلح على أحد أعضائه يُعد هجومًا عليهم جميعًا.
ومن ديلوس إلى الناتو، نصل إلى اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، التي أعادت إلى الواجهة فكرة الأمن الجماعي. فقد جاءت في بيئة إقليمية مضطربة، وأقرت أن الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد اعتداءً عليها جميعًا، وهو مبدأ يقترب في جوهره من مفهوم الحلف الدفاعي.
غير أن ثمة فارقًا لافتًا بين اتفاقية مكة والمثالين السابقين؛ فحلف ديلوس قام في مواجهة خطر فارسي واضح، والناتو نشأ في سياق مخاوف غربية واضحة من التمدد السوفيتي، بينما لم تحدد اتفاقية مكة خصمًا بعينه، وأكدت أطرافها أنها دفاعية وليست موجهة ضد إيران أو أي دولة أخرى.
ولعل في ذلك قدرًا من المرونة التي تقتضيها العلاقات الدولية؛ ففي عالم السياسة لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، وإنما مصالح تتغير معها مساحات التقارب والاختلاف بتغير الظروف وموازين القوى. ومن ثم فإن عدم ربط الاتفاقية بخصم محدد يمنحها مساحة أوسع للتكيف مع التحولات السياسية والأمنية.
ولا تبدو الاتفاقية إطارًا مغلقًا على أطرافها الثلاثة؛ إذ تتيح إمكانية انضمام دول أخرى، بما يفتح أمامها أفقًا يتجاوز صورتها الحالية، وربما يمنحها مستقبلًا دورًا أوسع في بناء منظومة للأمن الإقليمي.
وهنا يبرز جانب آخر يستحق التأمل: هل تحمل اتفاقية مكة مقومات الحلف؟ فالأحلاف الدفاعية تقوم عادة على الالتزام بالدفاع المتبادل، واستمرار التنسيق السياسي والعسكري، ووجود آليات مؤسسية للتعاون. وقد بدأت الاتفاقية بالفعل في بناء عدد من هذه المقومات؛ إلى جانب مبدأ الدفاع المشترك، أُعلن عن آليات سياسية وعسكرية للتنسيق، وتدريبات مشتركة، وتعاون في الصناعات والتقنيات الدفاعية. وهي عناصر تمنح الاتفاقية قابلية للتطور إلى إطار دفاعي أكثر اتساعًا ومأسسة.
كما أن أهمية الاتفاقية لا تنبع من عدد أطرافها بقدر ما تنبع من تكامل عناصر القوة بينها؛ فالسعودية بثقلها السياسي والاقتصادي، وتركيا بقدراتها العسكرية والصناعات الدفاعية، وباكستان بقوتها العسكرية وامتلاكها السلاح النووي. وهو تكامل يضيف إلى مبدأ الدفاع المشترك قدرة معتبرة على الردع.
أما الاهتمام الواسع الذي أحاط بالاتفاقية، فليس مستغربًا إذا وضعنا في الاعتبار توقيتها وثقل أطرافها وإمكان توسعها. فالأحلاف لا تولد في فراغ؛ ديلوس جاء بعد الحروب الفارسية، والناتو ولد في بدايات الحرب الباردة، واتفاقية مكة جاءت في لحظة إقليمية ودولية تتغير فيها موازين القوى وتتعدد فيها مصادر التهديد.
والتاريخ يعلمنا أن الاحلاف قد تتجاوز الظروف التي أنشأتها؛ فلحظة الميلاد تفسر دوافعها، أما حركة التاريخ فتكشف مآلاتها.
وبين ديلوس ومكة نحو ألفين وخمسمائة عام، تغيرت الدول وأدوات الحرب وموازين القوى، وبقي الهاجس الأمني حاضرًا ودافعًا إلى الاجتماع والتحالف. ومن هذا المنظور، لم تكن اتفاقية مكة بدعًا في تاريخ العلاقات بين الدول، وإنما جاءت شأنها شأن اتفاقيات وأحلاف سبقتها، استجابةً لحاجة أطرافها إلى تعزيز أمنها وحماية مصالحها في عالم لا تكف موازين القوى فيه عن التغير.






