منذ تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945، ثم مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، كان الهدف أكبر من مجرد جمع الدول حول طاولة واحدة؛ كان الطموح أن تتحول وحدة التاريخ والجغرافيا والمصالح إلى قوة قادرة على حماية أعضائها، ومنع الخلافات من التحول إلى أزمات، وإدارة الأزمات حين تقع. لكن بعد عقود طويلة، يحق لنا أن نسأل: هل نجحت هذه المؤسسات في تحويل التضامن العربي والخليجي إلى قوة فاعلة على الأرض؟ لا يمكن إنكار ما حققته الجامعة والمجلس من تعاون وتنسيق، لكن الاختبار الحقيقي لأي منظمة ليس عدد اجتماعاتها ولا بياناتها، وإنما قدرتها على منع الخلافات بين أعضائها، وإدارتها عندما تقع، وتحويل قراراتها إلى نتائج.
وهنا تبدو الفجوة واضحة. فقد شهد العالم العربي خلال العقود الماضية أزمات وحروباً وانقسامات وتدخلات خارجية، ولم تستطع الجامعة في كثير من الحالات منع الأزمة أو امتلاك أدوات كافية لإدارتها وحسمها. كما أن مجلس التعاون، رغم نجاحه في تعزيز التقارب الخليجي، لم يمتلك دائماً الأدوات التي تحول دون تحول الخلافات بين أعضائه إلى أزمات سياسية عميقة. وفي ظل هذا الواقع، برزت المملكة العربية السعودية في أكثر من أزمة باعتبارها دولة تتحرك بثقلها الديني والسياسي والاقتصادي والإنساني، وأحياناً تتحمل منفردة جزءاً كبيراً من أعباء معالجة أزمات كان يفترض أن يكون التعامل معها جماعياً. ففي سوريا واليمن والسودان وغيرها، لم يقتصر الدور السعودي على المواقف السياسية، بل امتد إلى الوساطة والدعم الإنساني والاقتصادي وتحمل أعباء كبيرة من أجل حماية الاستقرار الإقليمي.
وهنا لا ينبغي أن يكون السؤال: لماذا تتحرك المملكة؟ بل: لماذا تضطر دولة واحدة إلى تحمل جزء كبير من مسؤولية يفترض أن تكون جماعية؟ فالمملكة تستطيع أن تقود، لكنها لا تستطيع أن تكون دائماً البديل عن الجميع. وتزداد المشكلة تعقيداً عندما نجد أن بعض الدول العربية أصبحت في بعض الملفات تتخذ مواقف تخرج بوضوح عن الموقف العربي العام، كما أن بعض دول الخليج تتخذ في أزمات معينة مواقف لا تنسجم مع الموقف الخليجي المشترك، بل تتقاطع أحياناً مع مواقف دول وقوى من خارج الإطار العربي والخليجي. ومن الطبيعي أن تختلف الدول في مصالحها وتقديراتها؛ فالتحالف لا يعني التطابق. لكن هناك فرقاً بين الاختلاف الطبيعي وبين أن يتحول الخلاف، في لحظة الأزمة، إلى اصطفاف مع طرف خارج المنظومة على حساب طرف داخلها.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن لمنظمة أن تكون قوية إذا لم تتفق دولها على الحد الأدنى من مصالحها الاستراتيجية؟ ربما لا يكون الحل في إلغاء جامعة الدول العربية أو مجلس التعاون، وإنما في التفكير في نمط جديد من التحالفات الإقليمية؛ تحالفات أكثر تحديداً في أهدافها، وأكثر وضوحاً في التزاماتها، وأكثر قدرة على الانتقال من التنسيق إلى الفعل. وفي هذا السياق يبرز تحالف مكة الذي جمع المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في اتفاق دفاعي مشترك، باعتباره تجربة تستحق المتابعة، وربما بذرة لتحالف إقليمي يمكن أن ينمو ويتوسع. ولا يعني ذلك أنه أصبح «ناتو عربي»، فهذا حكم سابق لأوانه؛ فالتحالفات الكبرى لا تصنعها الاتفاقيات وحدها، وإنما تبنيها المؤسسات والتدريب والتنسيق والقدرة على الردع وتكامل الصناعات الدفاعية والإرادة السياسية.
لكن أهمية تحالف مكة تكمن في أنه يقدم نموذجاً مختلفاً: مجموعة دول تتشارك مصالح استراتيجية وقدرات حقيقية، وتبدأ من نقطة محددة، ثم يمكن أن تتوسع دائرة التعاون لاحقاً. وربما يكون هذا هو الطريق الأكثر واقعية لمستقبل العمل الإقليمي: جامعة عربية تبقى مظلة جامعة، ومجلس تعاون خليجي يواصل دوره، وتحالفات متخصصة تنشأ بين الدول الأكثر تقارباً في المصالح والقدرات. فالقوة لا تأتي من كثرة الدول التي تجتمع حول الطاولة، وإنما من قدرتها على تحويل ما تتفق عليه إلى فعل. وإذا كانت العقود الماضية قد أثبتت أن التضامن في البيانات لا يكفي، فقد تكون المرحلة المقبلة بحاجة إلى تضامن تصنعه التحالفات، وتحميه المؤسسات، وتثبته القدرة على الفعل. وربما يكون السؤال الحقيقي اليوم ليس: كم منظمة إقليمية لدينا؟ بل: كم تحالفاً قادراً على الوقوف معنا عندما تبدأ العاصفة؟

